بين مقر المرشد ومبنى الرئاسة.. ضربات أمريكية وإسرائيلية تهز مركز القرار في طهران وتفتح فصلًا جديدًا من التصعيد الإقليمى
طهران – المنشر الإخبارى
في تصعيد غير مسبوق على الساحة الإقليمية، تعرضت إيران صباح السبت لسلسلة من الضربات الجوية والصاروخية التي استهدفت العاصمة طهران، تحديدًا حيي كشواردوست وباستور، حيث تقع مؤسسات الحكم الأعلى، بما في ذلك مقر المرشد الأعلى علي خامنئي ومبنى رئاسة الجمهورية. وتأتي هذه الضربات ضمن حملة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وصفتها طهران بأنها “عدوان سافر”.
وقد أفادت وكالة فارس بسقوط سبع نقاط ارتطام لصواريخ في منطقة باستور، وهو الحي الأكثر حساسية سياسياً وأمنياً في العاصمة، ما يسلط الضوء على أهمية هذه المنطقة في قلب النظام الإيراني وارتباطها المباشر بمراكز اتخاذ القرار.
لماذا تعتبر منطقة باستور قلب إيران السياسي؟
منطقة باستور تقع ضمن المنطقة 11 في وسط طهران، وتتميز بتركيز المؤسسات السيادية التي تتحكم في مسار القرار السياسي والأمني. فهي تضم مكتب المرشد الأعلى ومقر إقامته، مبنى الرئاسة، المجلس الأعلى للأمن القومي، بالإضافة إلى مؤسسات قضائية ورقابية بارزة.
هذا التركز جعل باستور ليس مجرد حي إداري، بل مركزًا حيويًا للسيطرة على مؤسسات الدولة. فكل قرار سياسي أو أمني كبير في إيران يمر عبر هذه المنطقة، ويعتبر استهدافها بمثابة محاولة مباشرة لضرب قلب منظومة الحكم الإيراني.
إلى جانب المراكز السياسية، يقع في الحي معهد باستور الإيراني، وهو من أقدم المراكز البحثية والطبية في البلاد، ويعكس تداخل المسؤوليات المدنية مع البنية السياسية الحساسة. هذا المزيج يجعل المنطقة فريدة من نوعها، حيث يتعايش الطابع المدني اليومي مع أعلى درجات الحماية الأمنية.
موقع استراتيجي في قلب العاصمة
تتميز باستور بموقع استراتيجي داخل طهران، فهي نقطة التقاء بين عدة شوارع رئيسية:
• شمالًا: شارع أذربيجان
• غربًا: شارع كاركر الجنوبي
• شرقًا: شارع ولي عصر
• جنوبًا: شارع الخميني
بالإضافة إلى ذلك، يجاور الحي ميدان انقلاب القريب من جامعة طهران، ما يجعله مركزًا محوريًا بين الأحياء الإدارية والتاريخية. هذا الموقع لم يضف للحي بعده الجغرافي فقط، بل عزز من أهميته السياسية كونه نقطة التقاء حيوية بين مراكز القوة والنشاط المدني.
جذور تاريخية تعكس تحولات السلطة
تاريخيًا، تعود أهمية الحي إلى عهد رضا شاه، الذي أنشأ كلية الضباط في منطقة باغ شاه القريبة واتخذ قصر مرمر مقرًا للإقامة والعمل. وبعد ثورة 1979، انتقلت إليه مؤسسات الجمهورية الإسلامية، ما رسخ دوره في قلب الحكم السيادي.
هذا التراكم التاريخي جعل باستور بمثابة رمز للسلطة المستمرة في إيران، حيث يلتقي الماضي مع الحاضر في بيئة واحدة، ويستمر تأثيرها على السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء.
الإجراءات الأمنية المشددة
نظرًا لحساسية المنطقة، تخضع باستور لإجراءات أمنية صارمة، حيث تقتصر حركة المرور على بعض الشوارع والمجمعات، مع بروتوكولات مرور محددة حول المباني الحساسة. ويُسمح بالمرور وفق ترتيبات دقيقة، مع نشر قوات أمنية على مدار الساعة لمراقبة أي نشاط غير مصرح به.
على الرغم من هذا، لا تزال الحياة المدنية في الأحياء المجاورة مستمرة بشكل طبيعي، ما يعكس التوازن الدقيق بين الأمن والأنشطة اليومية، وهو ما يجعل استهداف هذه المنطقة أمرًا حساسًا للغاية، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية.
الضربات وأهدافها المحتملة
وفق تحليلات خبراء عسكريين، فإن الضربات التي استهدفت منطقة باستور لم تقتصر على إرسال رسائل ردع لإيران، بل تهدف إلى إضعاف بنية القيادة والسيطرة داخل العاصمة.
تركز الضربات على مواقع محددة مرتبطة بالقيادة السياسية والعسكرية، وهو ما يمكن أن يحد مؤقتًا من قدرة النظام على اتخاذ قرارات عاجلة أو تنفيذ عمليات استراتيجية. كما أن دقة الضربات تشير إلى توافر معلومات استخباراتية دقيقة، سواء عبر الأقمار الصناعية أو الشبكات الاستخباراتية الأرضية، ما يعكس استعدادًا لمرحلة طويلة من التوترات المتبادلة.
انعكاسات محتملة على الاستقرار الداخلي
منطقة باستور ليست مجرد مقر للسلطة، بل نقطة ارتكاز في الحياة السياسية والأمنية الإيرانية. أي اختراق أمني أو تأثير مباشر على هذه المنطقة يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات داخلية أو هزات في المنظومة السياسية.
كما أن وقوع الضربات في هذه المنطقة قد يرفع مستوى التأهب بين قوات الأمن والقيادة العليا، ما يزيد من صعوبة تنقل المسؤولين ويؤثر على سير العمل الإداري بشكل يومي، حتى لو لم يتم تسجيل خسائر بشرية كبيرة.
خطر تصعيد الإقليمية
يعتبر استهداف منطقة باستور بمثابة رسالة قوية على المستوى الإقليمي والدولي. فهو لا يقتصر على صعيد الرد العسكري، بل يمثل تهديدًا لثبات النظام الإيراني وقدرته على النفوذ في المنطقة.
ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى ردود فعل متبادلة واسعة النطاق، خصوصًا مع استهداف قواعد أمريكية وإسرائيلية في مناطق أخرى. أي تصعيد إضافي قد يرفع خطر انخراط دول عربية وإقليمية، ما يجعل المنطقة أمام احتمال توسع المواجهة إلى أبعاد أكبر تشمل دول الخليج والشرق الأوسط.
منطقة باستور تمثل قلب الحكم الإيراني، واستهدافها يعكس مدى التوتر الاستراتيجي في المنطقة. ومع استمرار الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تظل الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأحداث، سواء نحو تصعيد إضافي أو احتواء الأزمة عبر قنوات دبلوماسية.
ويشير خبراء إلى أن أي تدخل مباشر في منطقة باستور أو أي مراكز قيادية أخرى سيؤدي إلى رفع مستوى التحرك العسكري والسياسي الداخلي في إيران، وربما يغير معادلات الأمن الإقليمي بالكامل.
وبهذا، تصبح منطقة باستور ليست مجرد حي في العاصمة، بل رمزًا للسلطة والسيادة، ومفتاحًا لفهم تأثير الضربات الأخيرة على النظام الإيراني والمنطقة بأكملها.










