في مشهد لم تشهده الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، تتحدث تقديرات استخباراتية متعددة عن استهداف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والرئيس مسعود بزشكيان، وقادة الحرس الثوري، كبار الجنرالات في الجيش النظامي، رجال الدين المحيطون بدائرة القرار، والسياسيون الذين يشكلون العمود الفقري لنظام الإيراني في غارة أمريكية إسرائيلية على طهران بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذا المناخ الاستثنائي من التوتر يعيد إلى الواجهة سؤالا محوريا: من هو علي خامنئي حقا، وكيف يقرأ هذه اللحظة الخطرة رجل أمضى أكثر من ثلاثة عقود ونصف في إدارة دولة تشن ضدها الحروب من الخارج وتعصف بها الاضطرابات من الداخل؟
الإجابة تكمن في فهم شخصية بالغة التعقيد، رجل يلقبه مؤيدوه بـ”قائد الثورة” ويصفه منتقدوه بأنه “شاه الثورة”، أي ذلك الحاكم المطلق الذي أعاد إنتاج منطق الاستبداد تحت عباءة دينية، لكنه في الوقت ذاته يمتلك من الدهاء السياسي ومعرفة خبايا الشارع والسلطة ما يجعله خصما عسيرا وشريكا أكثر عسرا.
الرجل الذي نجا من كل العواصف
ثمة سمة واحدة تختصر مسيرة خامنئي السياسية: فن النجاة. فهذا الرجل الذي ولد عام 1939 في مشهد لعائلة متواضعة ذات جذور دينية، عاش تجربة الاعتقال والسجن في عهد الشاه، ونجا من محاولة اغتيال عام 1981 حين انفجرت قنبلة خلال خطبته خلفت في يده اليمنى عجزا دائما.
بعدها تولى رئاسة الجمهورية في أشد سنوات الحرب الإيرانية العراقية دموية، ثم قفز من منصب الرئيس إلى كرسي المرشد الأعلى في انتقال مفاجئ عام 1989 جاء به خبر وفاة الخميني الذي أعاد رسم خريطة الإسلام السياسي في العالم.
ما يميز خامنئي عن غيره من قادة المنطقة أنه لا يحكم فحسب، بل يراقب ويتعلم ويعدل. فعلى مدى ستة وثلاثين عاما، تعاقب على كرسي الرئاسة تحته ستة رؤساء من مشارب متباينة: المحافظ الرجعي، والإصلاحي الانفتاحي، والتكنوقراطي البراغماتي، وفي كل مرة استطاع خامنئي أن يدير التوازنات بينهم، يقرب هذا حين يحتاجه ويبعد ذاك حين يزعجه، محافظا طوال الوقت على سلطته النهائية غير القابلة للتفاوض.
شاه الثورة: تشابه الأضداد
لقب “شاه الثورة” الذي يلصقه به منتقدوه لا يخلو من مفارقة تاريخية مرة. فالرجل الذي ناضل ضد نظام الشاه وسجن بسببه، بنى على مدى عقود نظاما مركزيا للسلطة يذكر في هيكله العميق بما ناضل ضده.
فكما كان الشاه فوق المساءلة ويعتمد على أجهزة قمع قوية كالسافاك، يجلس خامنئي فوق هرم السلطة محاطا بالحرس الثوري ومكاتب استخباراتية متعددة تتنافس في إثبات ولائها له.
وكما كان الشاه يدير ثروات نفطية هائلة بمعزل عن رقابة شعبية فعلية، يهيمن الحرس الثوري اليوم بتفويض ضمني من المرشد على قطاعات اقتصادية واسعة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات بعيدا عن أي شفافية.
غير أن الفارق الجوهري أن خامنئي يضيف إلى هذه المعادلة بعدا أيديولوجيا دينيا يجعل الطعن في سلطته مرادفا في المنطق الرسمي للطعن في الإسلام ذاته. وهذا ما يجعل نظامه أشد متانة من نظام الشاه الذي لم يكن يملك هذه الدرع الأيديولوجية.
خبايا الشارع: المرشد الذي يقرأ الناس
ما يفاجئ كثيرا من المحللين في تتبع مسيرة خامنئي هو قدرته المستمرة على قراءة الشارع الإيراني بدقة تفوق ما يظهر في خطاباته الرسمية.
فهو يعلم تمام العلم أن غالبية الشباب الإيراني منفصلة روحيا عن منظومة القيم التي يروج لها، وأن الحجاب الإجباري والقيود الاجتماعية تولد غضبا متراكما، وأن موجة الهجرة الهائلة تستنزف أفضل الكفاءات الإيرانية.
لكنه في الوقت ذاته يدرك أن هذا الشارع الغاضب يظل هشا أمام خطر خارجي حقيقي أو متخيل. فحين تتصاعد حدة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يلاحظ المراقبون عادة أن نسبة من يجاهرون بمعارضة النظام تتراجع، فيما تتصاعد نبرة الوحدة الوطنية حتى في أوساط المعارضين. خامنئي يحسن توظيف هذه الديناميكية، ولم يتوقف عن الاستثمار في خطاب الخطر الخارجي ليس فقط لتبرير الإخفاقات الداخلية، بل لتشكيل هوية جماعية دفاعية تجعل النظام عنصرا من عناصر الهوية الوطنية لا مجرد حكومة قابلة للمحاسبة.
خبايا السلطة: فن إدارة التناقضات
على صعيد خبايا السلطة، يشكل خامنئي نموذجا في إدارة التناقضات. فهو يحكم بلدا يعيش توترات بنيوية عميقة: بين رجال الدين الذين يريدون دولة دينية صارمة والتكنوقراط الذين يريدون دولة كفاءات، بين الحرس الثوري الذي بات إمبراطورية اقتصادية وعسكرية وبين المؤسسة العسكرية النظامية الغيورة من نفوذه، بين الأجيال التي صنعت الثورة وتؤمن بشعاراتها وأجيال الشباب التي ترى فيها سجنا لا مشروعا.
طريقته في إدارة هذه التناقضات ترتكز على ثلاث ركائز: أولا، الإمساك بالتعيينات الكبرى في كل مؤسسات الدولة، مما يجعل الجميع مدينا له بمنصبه.
ثانيا، السماح بهامش من الخلافات العلنية المحكومة بين التيارات المختلفة، مما يعطي وهم التعددية ويفرغ الاحتقان الداخلي.
ثالثا، التدخل الحاسم كلما اقتربت أي جهة من تهديد مركزية سلطته، حتى لو كانت هذه الجهة مقربة منه.
السيناريو الأكثر خطورة: ماذا يعني استهداف القمة؟
في سياق التقديرات الاستخباراتية عن قوائم استهداف تضم خامنئي وبزشكيان وقادة الحرس الثوري، تبرز معادلة استراتيجية بالغة التعقيد. فمن المنظور الأمريكي الإسرائيلي، قد يبدو استهداف رأس النظام وسيلة لاختصار الطريق نحو تغيير جذري. غير أن التاريخ يلقن دروسا قاسية في هذا الشأن: فاغتيال قادة الدول نادرا ما يفضي إلى تغيير ناعم، وكثيرا ما ينتج فوضى تشكل بيئة أشد خطرا مما كان قبلها.
في الحالة الإيرانية تحديدا، ثمة اعتبارات تجعل هذا السيناريو بالغ المخاطر. فالمؤسسة الاستخباراتية الإيرانية والحرس الثوري بنيا على مدى عقود بنية مؤسسية لا تعتمد في استمراريتها على شخص واحد بقدر ما تعتمد على منظومة أيديولوجية وتنظيمية متجذرة. كما أن غياب خامنئي فجأة سيفجر صراعا على الخلافة بين تيارات متنافسة، قد يدفع أشدها تطرفا إلى التصعيد لإثبات وجوده. فضلا عن ذلك، فإن أي ضربة من هذا النوع ستوحد الشارع الإيراني خلف النظام بصرف النظر عن مواقفه منه، في موجة من الغضب الوطني يصعب التنبؤ بتداعياتها.
الرئيس بزشكيان: واجهة في لحظة حرجة
في هذه المعادلة المشتعلة، يقف الرئيس مسعود بزشكيان في موقع بالغ الحرج. فالطبيب القادم من أذربيجان الإيرانية، الذي فاز بالرئاسة عام 2024 على موجة من آمال الإصلاح، يجد نفسه في مواجهة استحقاق لم يختر له. فهو من جهة رجل يؤمن بالحوار والانفتاح ويدرك أن الاقتصاد الإيراني لا يتحمل مزيدا من التصعيد، ومن جهة أخرى رئيس يحكم في ظل مرشد أعلى يملك وحده كلمة الفصل في الملفات الاستراتيجية الكبرى. بزشكيان واجهة مدنية لنظام تحكمه في جوهره العميق مؤسسة عسكرية أمنية توجهها إرادة خامنئي.
قراءة في لحظة مفصلية
ما يجعل اللحظة الراهنة استثنائية في مسيرة خامنئي وإيران معا أنها تجمع ضغوطا متعددة في آن واحد: تقديرات استخباراتية عن تهديدات وجودية للقيادة، واقتصاد منهك تحت وطأة العقوبات، وشارع إيراني منهك من تراكمات السنوات، وتحولات إقليمية عميقة في أعقاب التطورات في سوريا التي كشفت حدود النفوذ الإيراني، ورئيس يريد الإصلاح لكنه يحكم بقيود واضحة.
خامنئي في مواجهة هذا المشهد لا يملك ترف الانسحاب أو التردد؛ فالرجل الذي بنى سلطته على أنه الحارس الضرورة الذي لا بديل عنه محكوم عليه بالاستمرار حتى النهاية. وتاريخه الطويل في النجاة من العواصف قد يدفعه إلى التقليل من الخطر الراهن، وقد يدفعه في الوقت ذاته إلى مناورات مباغتة لم يتوقعها خصومه.
الأرجوزة التي لم تكتب بعد
يظل آية الله خامنئي شخصية إشكالية بامتياز؛ فهو في نظر مؤيديه الحارس الأمين لثورة استثنائية في تاريخ المنطقة، والمدافع الصلب عن استقلالية إيران في مواجهة هيمنة القوى الكبرى.
وهو في نظر منتقديه رجل أمسك بالسلطة لثلاثة عقود ونصف وأبى أن يفلتها، موظفا المرجعية الدينية لإضفاء الشرعية على حكم يقوم في جوهره على الإقصاء والقمع وكبت التعددية.
في اللحظة التي تحلق فيها الطائرات فوق سماء المنطقة وتتشابك فيها التقديرات والسيناريوهات، أصبح مصير هذا الرجل البالغ السادسة والثمانين مجهولا.










