رسائل القاهرة وبغداد إلى طهران بعد الهجوم على الكويت: سيادة العرب خط أحمر
أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا افتراضيًا برئيس وزراء العراق محمد شياع السوداني، في توقيت بالغ الحساسية، عقب الهجوم الإيراني الذي استهدف أراضي دولة الكويت، وما مثله من تصعيد خطير في معادلة الأمن الإقليمي في الخليج والمنطقة العربية.
جاء هذا الاتصال في سياق حراك دبلوماسي مصري متسارع، عبّرت عنه القاهرة بوضوح من خلال إدانات رسمية لأي استهداف لوحدة وسلامة أراضي الدول العربية، والتشديد على رفض انتهاك سيادتها تحت أي مبرر.
بحسب الصياغة المتوقعة لمثل هذا الاتصال، ركز الرئيس السيسي في حديثه مع رئيس الوزراء العراقي على ثلاثة محاور رئيسية: أولها التضامن الكامل مع دولة الكويت قيادةً وشعبًا في مواجهة الاعتداء الإيراني، وثانيها التنسيق العربي لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع تهدد أمن الخليج برمته، وثالثها التأكيد على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي.
ويأتي ذلك متسقًا مع ما تعلنه مصر عادة في بياناتها الرسمية عند استهداف دول عربية بصواريخ أو هجمات عابرة للحدود، حيث تشدد على احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ورفض منطق فرض الأمر الواقع بالقوة.
الاتصال، وفق هذا السياق، لم يكن مجرد تبادل للمواقف، بقدر ما كان محاولة لصياغة رؤية مشتركة بين القاهرة وبغداد لكيفية التعامل مع تداعيات القصف الإيراني للكويت، خاصة أن العراق نفسه ساحة حساسة في معادلة الصراع الإقليمي، ويتأثر مباشرة بأى تصعيد بين إيران ودول الخليج.
ومن المرجح أن يكون الجانبان قد استعرضا خريطة المخاطر المحتملة إذا تكررت مثل هذه الهجمات، على مستوى الملاحة في الخليج، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة، فضلًا عن احتمالات توسع المواجهة إلى دول أخرى.
في هذا الإطار، ينسجم موقف القاهرة الافتراضي في الاتصال مع مواقفها المعلنة، حيث أدانت مصر في بيانات رسمية سابقة كل استهداف تمارسه دول إقليمية يمس سيادة دول عربية، بما في ذلك الكويت ودول خليجية أخرى، محذرة من أن استمرار هذا النهج يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.
كما تحرص مصر على التذكير بأهمية الحلول السياسية والدبلوماسية بدلًا من الانزلاق إلى حروب بالوكالة أو مواجهات مباشرة يصعب التحكم في مساراتها.
من جانب آخر، يحمل التواصل بين السيسي ورئيس الوزراء العراقي دلالة إضافية تتعلق بطبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، التي شهدت في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا من خلال اللجان العليا المشتركة ومشروعات التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار، إلى جانب التنسيق السياسي حيال قضايا الإقليم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والأزمات في سوريا ولبنان وغزة.
هذا الرصيد من التشاور المستمر يجعل من الاتصال في لحظة التصعيد حول الكويت امتدادًا طبيعيًا لمسار قائم، وليس تحركًا معزولًا أو طارئًا.وفي ضوء خطاب البلدين خلال أزمات سابقة، يُرجّح أن يكون السيسي والسوداني قد اتفقا على عدد من الخطوات العملية، مثل دفع التنسيق داخل الجامعة العربية، والدعوة إلى اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، وتوحيد لهجة الإدانة لأي انتهاك لسيادة الكويت، مع المطالبة في الوقت نفسه بضبط النفس، تجنبًا لمزيد من الانفجار في الإقليم.
هذه المقاربة المزدوجة – إدانة واضحة، مع الدعوة لاحتواء التصعيد – تعكس ما تحاول مصر والعراق تقديمه من صورة لدور عربي مسؤول يسعى لحماية المنطقة من الانجرار إلى صراع مفتوح.الهجوم الإيراني على الأراضي الكويتية، الذي وصفته الكويت بأنه «انتهاك صارخ لسيادتها ومجالها الجوي» وخرق للقانون الدولي، أعاد إلى الواجهة قضية توازن العلاقات العربية – الإيرانية، وحدود ما يمكن للعواصم العربية قبوله من رسائل عسكرية تتجاوز حدود الردع إلى تهديد مباشر لسلامة أراضيها.
وفي هذا السياق، يمنح التنسيق المصري العراقي رسالة مضادة مفادها أن الدول العربية، رغم تباين حساباتها، قادرة على بلورة موقف مشترك عندما يتعلق الأمر بالسيادة والأمن القومي.كما أن هذا النوع من الاتصالات يبعث بإشارات تطمين إلى الداخل العربي، خاصة في الكويت، بأن الهجوم لم يكن مجرد «حادثة منفردة» تمر دون رد فعل، وإنما مثّل جرس إنذار استدعى تحركات سياسية ودبلوماسية من عواصم عربية كبرى، من بينها القاهرة وبغداد، لحشد دعم إقليمي ودولي للحفاظ على استقرار الخليج.
ويأتي هذا في وقت تؤكد فيه الكويت، عبر بياناتها الرسمية، تمسكها بحقها في الدفاع عن نفسها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن استمرار مثل هذه الأعمال العسكرية قد يقوض الأمن والاستقرار الإقليمي.
من زاوية أوسع، يعكس هذا الاتصال الافتراضي ملامح مقاربة مصرية–عراقية مشتركة للأزمات الإقليمية، تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، رفض الحلول العسكرية وفرض النفوذ بالقوة، والرهان على الدبلوماسية والحوار لتجنيب المنطقة سيناريوهات الفوضى الشاملة.
ومن شأن استمرار هذا النمط من التنسيق أن يكرّس دور مصر والعراق كطرفين عربيين معنيين ليس فقط بحماية مصالحهما الوطنية، بل أيضًا بدعم منظومة الأمن القومي العربي في مواجهة أي تهديدات عابرة للحدود.بهذه الرسائل، يتحول الاتصال بين السيسي ورئيس وزراء العراق، في سياق الهجوم الإيراني على الكويت، من مجرد تواصل بروتوكولي إلى أداة لتثبيت معادلة جديدة في الإقليم، فحواها أن أمن الخليج ليس شأنًا داخليًا لدوله فقط، بل قضية عربية جماعية، وأن أي مساس بسيادة دولة عربية سيقابل بتحرك دبلوماسي منسق يضع خطوطًا حمراء أمام استمرار التصعيد.










