في ليلة من أكثر ليالي المنطقة توتراً منذ سنوات، دوّت انفجارات عنيفة في سماء طهران ومدن إيرانية أخرى ضمن هجوم واسع النطاق نفذته إسرائيل ضد أهداف وصفت بأنها «حساسة واستراتيجية»، معلنة مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة مع إيران.
وسط سيل الأخبار المتلاحقة، برز اسم علي شمخاني، أحد أبرز رجال الأمن والعقل الاستراتيجي المحسوب على المرشد الأعلى، بوصفه الهدف الأثمن في تلك الضربات.
إعلان «اغتيال» شمخاني لم يأت أولاً من تل أبيب، بل من الإعلام الإيراني نفسه الذي تحدث عن إصابته البالغة ثم مقتله متأثراً بجراحه، قبل أن تنقلب الرواية رأساً على عقب مع ظهور نفي رسمي ورسائل منسوبة إليه على وسائل التواصل تؤكد أنه ما زال على قيد الحياة.
وبين خبر مقتله وخطاب نجاته، تشكّلت واحدة من أكثر القصص غموضاً في صراع الظل بين إيران وإسرائيل.
هدف في قلب المنظومة
لم يكن اختيار علي شمخاني هدفاً عرضياً في الهجوم الإسرائيلي المسمى إعلامياً «عملية الأسد الصاعد»، بل جاء استهدافه – وفق تحليلات غربية – باعتباره من أكثر الشخصيات نفوذاً في دوائر صنع القرار الأمني والعسكري في إيران، وواجهة بارزة في ملفات حساسة كالمفاوضات النووية والعلاقات مع دول الجوار.
فقد شغل الرجل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي لعقد من الزمن، ثم أصبح مستشاراً للمرشد ورئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام، ما جعله حلقة وصل أساسية بين المؤسسات العسكرية والدبلوماسية.
التقارير الإعلامية الإسرائيلية والغربية تحدثت عن أن منزله في طهران كان من بين الأهداف التي تعرضت للقصف، وأنه أصيب إصابة مباشرة نقل على إثرها إلى المستشفى في حالة حرجة، قبل أن يعلن التلفزيون الإيراني الرسمي وفاته متأثراً بجراحه.
هذه الرواية انسجمت مع ما قيل عن سقوط قيادات عسكرية أخرى بارزة في الضربة نفسها، في إشارة إلى محاولة «قطع رأس» المنظومة الأمنية الإيرانية بضربة واحدة.
من «قتيل» إلى «ناجٍ»لكن المشهد سرعان ما تبدّل مع بدء وسائل إعلام أخرى، إضافة إلى منصات مقربة من دوائر الحكم في طهران، في التشكيك في خبر وفاة شمخاني والإشارة إلى أنه لا يزال يتلقى العلاج، قبل أن تنشر لاحقاً رسالة مصوغة باسمه تؤكد أنه نجا من العملية وأن «قدره أن يبقى حياً وهو جريح».
بعض هذه الرسائل نُشر عبر منصة «إكس»، حيث نُسب إليه تصريح يؤكد استعداده «للتضحية مئة مرة من أجل إيران» مع نبرة تحدٍ تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
التضارب بلغ ذروته عندما ظهر شمخاني في مقابلة تلفزيونية لاحقة يروي فيها تفاصيل ما وصفها بمحاولة اغتياله، متحدثاً عن بقائه تحت الأنقاض لساعات وإصابته بكسور في الأضلاع ومشاكل في التنفس، في مشهد بدا أقرب إلى إعادة تدوير صورته كبطل مقاوم نجا من قبضة الموت.
هذا الظهور ساهم في تحويل قصة «اغتياله» من حدث أمني إلى ورقة سياسية وإعلامية توظفها طهران لتأكيد صمود رموزها، فيما رأت فيه تل أبيب دليلاً على أن رسالتها قد وصلت إلى قلب النظام حتى لو لم يتحقق «القتل الكامل» للهدف.
حرب روايات لا تقل شراسة
التباين الحاد في الروايات حول مصير شمخاني انعكس في تغطيات وسائل الإعلام الدولية، فبينما تبنت بعض الصحف والقنوات رواية مقتله، استندت أخرى إلى تصريحات إيرانية لاحقة وأكدت أنه أصيب فقط، وأن إعلان وفاته كان متسرعاً أو مقصوداً لأسباب أمنية.
هذا الغموض أتاح مساحة واسعة للتحليلات التي تحدثت عن «حرب نفسية» بين الطرفين، تستخدم فيها الأخبار المضللة والتسريبات المدروسة لإرباك الرأي العام وإرباك حسابات الخصم.
ففي الوقت الذي حرصت فيه إسرائيل على تسريب انطباع بأنها نجحت في استهداف «عقل نووي وأمني» رفيع المستوى في طهران، استثمرت إيران الرواية المضادة لتقديم شمخاني على أنه نموذج لمسؤول نجا من محاولة اغتيال، لكنه خرج أكثر تصلباً، وهو ما عبّر عنه بنفسه في أحاديثه عن عدم خوفه من إسرائيل واستعداده للاستمرار في موقع المواجهة.
وبين الرسائل المتبادلة، بدا أن «اغتيال شمخاني» تحوّل إلى ساحة جديدة للاشتباك الدعائي بين الطرفين.
انعكاسات على الملف النووي
لم يكن اسم شمخاني مرتبطاً فقط بالمؤسسة الأمنية، بل ارتبط أيضاً بملف المفاوضات النووية والعلاقات المعقّدة مع واشنطن والعواصم الغربية، وهو ما دفع محللين إلى اعتبار أن استهدافه يحمل رسالة تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة ضرب قناة تفاوضية داخل النظام الإيراني.
فالرجل لعب في مراحل مختلفة دور الوسيط والمفاوض، وشارك في الترتيب لاتفاقات إقليمية مثل التقارب الإيراني – السعودي برعاية صينية، ما عزز مكانته كـ«عقل إدارة الأزمات» في الدولة.
الهجوم الذي طاله جاء أيضاً في توقيت حساس تزايدت فيه الأحاديث عن مسارات تفاوضية جديدة حول البرنامج النووي ومستقبل العقوبات، الأمر الذي فسّره بعض المراقبين على أنه محاولة إسرائيلية «لإفشال أي مسار تهدئة» من خلال ضرب شخصيات ترى فيها تهديداً طويل الأمد لمصالحها الأمنية.
ومع بقاء مصيره في إطار «الرمادية» بين قتيل وناجٍ، استمر استحضار اسمه في النقاشات الغربية كعنوان على هشاشة أي مسار دبلوماسي في ظل التصعيد العسكري.
اغتيال بالمعنى الأوسعسواء اعتُمدت الرواية التي تقول إن علي شمخاني قُتل متأثراً بجراحه أو تلك التي تؤكد نجاته، فإن المؤكد أن الرجل أصبح منذ يونيو 2025 هدفاً رئيسياً في «حرب الظلال» الدائرة بين طهران وتل أبيب
فمحاولة إخراجه من المعادلة، أو على الأقل إضعاف دوره وتقييد حركته، تمثل شكلاً من أشكال «الاغتيال السياسي» لشخصية تجمع بين الخبرة العسكرية والثقل التفاوضي، وتجلس في قلب شبكة القرار الإيراني.
في النهاية، قد لا يحسم الجدل قريباً حول اللحظة الدقيقة التي انتهت فيها قصة شمخاني أو تجددت، لكن المؤكد أن اسمه بات رمزاً لمرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد المعارك تدور فقط فوق الأرض وفي السماء، بل أيضاً في الأخبار العاجلة وعلى شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا تحديداً يتجلى «الاغتيال» بمعناه الأوسع: تصفية الصورة والرمزية، وتفكيك تأثير الرجل في وعي الداخل الإيراني وخصومه في آن واحد.










