مع انطلاق الهجوم الجوي الواسع الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على مدن ومنشآت إيرانية صباح السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، انتقلت المواجهة بين طهران وتل أبيب وواشنطن من مرحلة التهديدات المتبادلة إلى حرب مفتوحة تحمل اسمًا عسكريًا أمريكيًا‑إسرائيليًا مشتركًا، وتفتح في الوقت نفسه صفحة جديدة في دور حلف شمال الأطلسي «الناتو» في الشرق الأوسط.
فبينما تُظهر الرواية الرسمية أن العمليات تنفَّذ بقرار أمريكي‑إسرائيلي، تكشف التحركات الموازية للحلف، خاصة في مجال الاستطلاع الجوي والدفاع الصاروخي، أن الناتو يتحول تدريجيًا إلى لاعب غير مباشر في واحدة من أخطر المواجهات الإقليمية منذ عقود.
الهجوم الذي استهدف طهران وعدة مدن إيرانية رئيسية وُصف في الإعلام الغربي بأنه ذروة شهور من التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب، سبقها حشد بحري وجوي كبير شمل حاملات طائرات وقواعد أمريكية في الخليج.
بالتوازي، أظهر تقرير لوكالة متخصصة أن الحلف بدأ قبل أيام من الضربة بتحويل تركيز منظومات الإنذار المبكر من رصد التحركات الروسية في أوروبا الشرقية إلى مراقبة التهديدات الصاروخية الإيرانية في الشرق الأوسط، في إشارة واضحة إلى أن عين الناتو لم تعد منصبّة فقط على موسكو.
المدخل الأول لانخراط الناتو في هذه المواجهة يأتي من خلال البنية التحتية العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حيث تُستخدم قواعد في دول أعضاء بالحلف كنقاط تمركز أو عبور للطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا.
وفي الوقت نفسه، تلعب أنظمة الرادار والاستطلاع المبكر التابعة للحلف، المنتشرة من المتوسط إلى تركيا، دور «العين المشتركة» التي تراقب مسار الصواريخ الإيرانية المحتملة ومخاطر امتداد الضربات إلى أراضي دول أعضاء.
تقرير إعلامي حديث أشار إلى أن تركيا، العضو المحوري في الناتو والجار القريب لإيران، بدأت بالفعل تحديث خططها الطارئة تحسبًا لتدفق لاجئين في حال توسعت الحرب، وصولًا إلى سيناريو دخول أجزاء من الأراضي الإيرانية لإنشاء مناطق عازلة، في حال انهارت السلطة المركزية في طهران.
هذه التحضيرات، وإن قُدمت بغطاء إنساني‑أمني، تعكس إدراك أنقرة والحلف لخطورة تحول الصراع إلى انهيار داخلي في إيران يفتح الباب أمام فراغ أمني على حدود الناتو الجنوبية‑الشرقية.
في السياق نفسه، تكشف مناورات «ستيدفاست دارت ٢٠٢٦» التي نفّذها الحلف مؤخرًا في شمال أوروبا، عن وجه آخر لدور الناتو في الأزمة، إذ أظهرت قدرة الدول الأعضاء على تحريك مجموعات بحرية وجوية كبيرة في آن واحد، من المتوسط حتى المحيط المتجمد، في رسائل ردع موجهة بشكل أساسي لروسيا لكن مع قابلية لاستخدام الدروس ذاتها في أي مواجهة مع إيران إذا توسعت رقعتها.
وجود حاملات طائرات فرنسية وإيطالية، إلى جانب بحريات أخرى، ضمن هذه التدريبات يؤشر إلى أن الناتو يملك اليوم «كتلة قوة» يمكن إعادة توجيهها بسرعة إذا طلبت واشنطن دعمًا أو تغطية بحرية إضافية في الشرق الأوسط.
غير أن انخراط الحلف لا يعني بالضرورة مشاركة قتالية مباشرة في قصف الأراضي الإيرانية، إذ تظل قواعد عمل الناتو خاضعة لمنطق «الدفاع الجماعي» عن أراضي أعضائه، بينما تتم العمليات الحالية تحت عنوان دفاع إسرائيل والولايات المتحدة عن نفسيهما خارج حدود الحلف.
لذلك يُرجّح أن يتركّز دور الناتو في هذه المرحلة على ثلاثة مسارات رئيسية:تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي عن القواعد الأمريكية والأوروبية في المنطقة، تحسبًا لصواريخ إيرانية انتقامية.
توسيع نطاق المراقبة الجوية والرادارية، مع مشاركة بيانات الإنذار المبكر بين أعضاء الحلف وإسرائيل والولايات المتحدة.
رفع جاهزية القوات في الجناحين الجنوبي والشرقي للحلف لمنع روسيا أو أطراف أخرى من استغلال انشغال الغرب في جبهة إيران.
على الجانب الإيراني، تشكّل حقيقة أن رادارات الناتو ومنظوماته باتت جزءًا من المشهد الاستراتيجي عامل توتر إضافي، إذ تغذّي قناعة لدى طهران بأن المواجهة لم تعد مع واشنطن وتل أبيب فقط، بل مع بنية عسكرية غربية أوسع قادرة على تطويق إيران بحريًا وجويًا.
هذا الإدراك قد يدفع إيران إلى تسريع محاولات خلق «توازن رعب» عبر تهديد قواعد في دول حليفة للغرب أو عبر تصعيد أدوار حلفائها الإقليميين، من لبنان إلى اليمن، بما يوسّع نطاق الضغط على الحلف.
في المقابل، تعي عواصم أوروبية أن التورط العلني للحلف في حرب مفتوحة مع إيران قد يجرّ ردودًا لا يمكن التحكم في تداعياتها على أمن الطاقة والهجرة غير النظامية والاستقرار الداخلي، خصوصًا في ظل حضور ملايين ذوي الأصول الإيرانية والعربية في مجتمعات أوروبا الغربية.
لذلك تحرص هذه الدول على تقديم دور الناتو في إطار «الحماية والردع» لا «الهجوم»، مع التأكيد في الخطاب السياسي على أن الحل النهائي لا بد أن يمر عبر طاولة المفاوضات النووية والسياسية لا عبر القصف وحده.
في المحصلة، يمكن القول إن الناتو دخل بالفعل خط المواجهة الإسرائيلية‑الإيرانية‑الأمريكية، ليس كطرف يضغط على الزناد مباشرة، بل كمنظومة دعم واستطلاع ودفاع تمنح واشنطن وتل أبيب عمقًا استراتيجيًا أوسع في إدارة الحرب.
لكن اتساع نطاق الضربات الإيرانية الانتقامية ليشمل قواعد أو أراضي دول عضو في الحلف قد يُحوّل هذا الدور من «مراقب مسلّح» إلى «طرف أصيل»، وهو سيناريو سيعني عمليًا انتقال الأزمة من صراع إقليمي إلى اختبار تاريخي لوظيفة الناتو وحدود قدرة العالم على تجنّب مواجهة أوسع تمتد من الخليج إلى أوروبا.










