خاص- المنشر الاخباري، 28 فبراير 2026، إذا صحت التقديرات الإسرائيلية التي أوردتها القناة 12 بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي جراء الضربات الأمريكية الإسرائيلية، فإن إيران ستدخل مرحلة من أشد المراحل تعقيدا وغموضا في تاريخها منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.
فخامنئي لم يكن مجرد رجل دين في قمة الهرم، بل كان المحور الذي تدور حوله كل مفاصل السلطة، والضامن الوحيد للتوازن الهش بين مؤسسات النظام المتنافسة والمتشابكة. غيابه المفاجئ في خضم حرب مفتوحة يشكل زلزالا وجوديا يهدد بنية النظام من أساسها.
الفراغ الدستوري وآلية الخلافة
يحدد الدستور الإيراني آلية واضحة للخلافة في حال شغور منصب المرشد الأعلى، إذ يتولى مجلس الخبراء صلاحية انتخاب المرشد الجديد.
غير أن هذه الآلية صممت للعمل في أوقات الهدوء والاستقرار لا في خضم حرب تستهدف عمق البنية القيادية للدولة.
فمجلس الخبراء نفسه يضم شخصيات قد تكون بعضها في مرمى الاستهداف أو في حالة من الارتباك والانكشاف الأمني، ما يجعل انعقاده وتداوله واتخاذه قرارا جماعيا في هذه اللحظة أمرا بالغ الصعوبة.
وفي المرحلة الانتقالية التي تسبق انتخاب مرشد جديد، يتولى مجلس القيادة الانتقالي المؤلف من رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صون الدستور صلاحيات المرشد بصورة مؤقتة. لكن هذا الترتيب الدستوري يفترض وجود مؤسسات سليمة وعاملة، وهو افتراض يبدو بعيدا عن الواقع في ظل المشهد الراهن.
السيناريو الأول: الحرس الثوري يمسك بزمام السلطة
يعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحا وفق تقييمات الاستخبارات الأمريكية. فالحرس الثوري الذي يشكل الذراع العسكرية والأمنية والاقتصادية للنظام سيجد في لحظة الفراغ فرصة تاريخية لا تتكرر لتحويل نفوذه الفعلي إلى سلطة رسمية معلنة. تمتلك هذه المؤسسة العسكرية كوادر متشددة تتشرب العداء للغرب وإسرائيل منذ نعومة أظفارها، وتعتبر الاستمرار في خط المواجهة واجبا عقديا لا خيارا سياسيا.
في هذا السيناريو، سيسعى الحرس الثوري إلى تنصيب مرشد من صفوفه أو من المقربين منه، يحمل صفة دينية كافية لإضفاء الشرعية على منصبه، مع الإبقاء على القرار الفعلي في يد القيادة العسكرية.
وهذا يعني باختصار أن المظهر الديني للدولة سيبقى قائما لكن القرار السياسي والاستراتيجي سينتقل كليا إلى المؤسسة العسكرية، في نموذج يشبه إلى حد بعيد الدول التي يحكمها العسكر خلف واجهة مدنية.
السيناريو الثاني: صراع داخلي على الخلافة
لا تملك إيران اليوم شخصية دينية تحظى بالإجماع أو ما يقاربه. فمنذ سنوات، يلاحظ المراقبون أن خامنئي أحجم عمدا عن تسمية خليفة له أو تمكين أي شخصية دينية من بناء شعبية تجعلها بديلا مقبولا، في ما بدا وكأنه سياسة مقصودة لإبقاء الجميع في حالة تبعية وترقب.
هذا الفراغ في خط الخلافة يفتح الباب أمام تنافس محتدم بين تيارات متعددة داخل المنظومة، في مقدمتها التيار الديني المتمثل في المراجع الكبار في قم، والتيار الأمني الممثل بقيادة الحرس الثوري، والتيار السياسي الممثل برموز من أمثال رئيس الجمهورية والمؤسسات المنتخبة. وقد يتحول هذا التنافس في ظل ضغط الحرب وحالة الارتباك إلى صراع مفتوح يضعف النظام بصورة قد تكون أشد وطأة من أي ضربة عسكرية خارجية.
السيناريو الثالث: الانهيار التدريجي وبداية التحول
لا يغفل المحللون الاستراتيجيون سيناريو ثالثا أكثر جذرية، وإن كان يبدو اليوم الأقل احتمالا.
فاجتماع عوامل عدة في آن واحد، وهي مقتل خامنئي، واغتيال وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري، وإغلاق مضيق هرمز ومعه شريان الاقتصاد الوطني، وتهاوي منظومة الدفاع الجوي، ونزوح سكان العاصمة، قد يفضي إلى تصدع الولاء الشعبي للنظام وتشجيع قوى المعارضة الداخلية التي كبتها الحرس الثوري بالقوة لعقود على الخروج إلى العلن.
في هذا السيناريو، قد تشهد المدن الإيرانية الكبرى احتجاجات تتجاوز في حجمها وجرأتها كل ما عرفته إيران في موجات الاحتجاج السابقة من 2009 إلى 2022، في حين قد تفضي التشققات داخل المؤسسة العسكرية إلى انشقاقات تسرع مسار التفكك.
غير أن هذا السيناريو يحتاج إلى عوامل إضافية لم تتشكل بعد، في مقدمتها غياب أي قيادة بديلة منظمة وقادرة على ملء الفراغ وقيادة مرحلة الانتقال.
رضا بهلوي: من المنفى إلى واجهة البديل
لم يكن اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران السباق الذي اسقطته ثورة لعب فيها خامنئي دورا كبيرا، بعيدا عن النقاشات السياسية في أوساط المعارضة الإيرانية في الخارج، لكنه اكتسب في الأشهر الأخيرة زخما لافتا تجاوز حدود المجتمعات المهاجرة ليصل إلى دوائر صنع القرار في واشنطن وعواصم أوروبية عدة.
فالرجل الذي يقيم في الولايات المتحدة منذ عقود نسج خيوطا علاقاتية واسعة مع مراكز النفوذ الغربية، وبات يقدم نفسه ليس ملكا طامحا إلى استعادة عرش أبيه، بل زعيما سياسيا يدعو إلى إيران ديمقراطية علمانية تحترم حقوق الإنسان وتندمج في المنظومة الدولية.
وقد تصاعد حضوره الإعلامي بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، وتعددت لقاءاته مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وأوروبيين، في ما بدا وكأن ثمة إعدادا ممنهجا لتقديمه بوصفه الوجه السياسي الأكثر قبولا لمرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية في حال انهيارها.
غير أن التحليل الموضوعي يستوجب الإشارة إلى عقبات جدية تجعل هذا السيناريو الأصعب تحقيقا والأكثر تعقيدا من أي سيناريو آخر.
فرضا بهلوي يظل في نظر شريحة واسعة من الإيرانيين رمزا لنظام الشاه الذي رحل عنه الناس طوعا أو قسرا قبل 46 عاما، وذاكرة ساواك وقمع النظام الملكي لا تزال حاضرة في الوجدان الإيراني رغم كل ما جاء بعدها. كما أن بهلوي يفتقر إلى قاعدة تنظيمية داخل إيران قادرة على ترجمة الزخم الخارجي إلى حضور فعلي على الأرض، في ظل عقود من القمع الممنهج لكل رمز يرتبط بالعهد الملكي.
فضلا عن ذلك، فإن الشارع الإيراني الذي ثار ضد الجمهورية الإسلامية لم يكن يرفع صور بهلوي بالضرورة، بل كان يطالب في معظمه بالحرية والكرامة والديمقراطية، وهي مطالب لا تنتمي بالضرورة إلى أي شكل محدد من أشكال الحكم.
السيناريو التفصيلي: كيف قد يحدث ذلك؟
في حال تسارعت الأحداث نحو هذا المسار، يرسم المحللون مسارا من أربع مراحل متتالية. تبدأ بـمرحلة الفوضى الانتقالية التي يتنازع فيها الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والحركات الشعبية على ملء الفراغ، ثم مرحلة التدخل الدولي حين تجد واشنطن والغرب أنفسهم مضطرين إلى دعم طرف بعينه لمنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة، يعقبها مرحلة الواجهة السياسية التي قد يبرز فيها بهلوي بوصفه شخصية توافقية مقبولة غربيا وقادرة على تقديم ضمانات لجميع الأطراف، وصولا إلى مرحلة المرحلة الانتقالية نحو نظام جديد لا تزال ملامحه ضبابية.










