النجف الأشرف – فبراير ٢٠٢٦، في ظل اشتعال فتيل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيرانمن جهة أخرى، تتجه الأنظار في العالم الإسلامي، ولا سيما الشيعي منه، نحو “وادي السلام” في النجف الأشرف، حيث يقبع المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني.
ومع تسارع الأحداث، انتشرت في الآونة الأخيرة، وتحديدا خلال شهر فبراير ٢٠٢٦، تقارير ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعي أن المرجعية حذرت من إصدار “فتوى جهادية” ضد القوات الأمريكية في حال استهداف القيادة الإيرانية، قبل أن يلوذ مكتبه بالصمت أو يسحب تصريحات ذات صلة.
جذور الموقف: إدانة العدوان وتحذير من الفوضى
بالعودة إلى الأصول الرسمية والموثوقة لمواقف المرجعية، يظهر أن آية الله السيستاني كان قد رسم ملامح موقفه بوضوح منذ العام الماضي.
ففي بيان رسمي صدر عن مكتبه في ١٩ يونيو ٢٠٢٥، أدان المرجع الأعلى “تواصل العدوان العسكري على إيران.
كما السيستاني عبر البيان عن رفضه القاطع لأي تهديد يمس “القيادة الدينية والسياسية العليا” في إيران، محذرا من أن مثل هذه الخطوات تنذر بـ “عواقب بالغة السوء” قد تجر المنطقة برمتها إلى “فوضى عارمة”.
ورغم نبرة التحذير العالية، إلا أن ذلك البيان ركز على الدعوة للحلول السلمية للملف النووي ولم يتضمن إعلانا صريحا عن “فتوى جهادية” أو تهديدا مباشرا بالقتال ضد القوات الأجنبية.
حقيقة “الفتوى الجهادية” والرسائل السرية
مع اندلاع شرارة العمليات العسكرية الأخيرة في 28 فبراير ٢٠٢٦، ضجت المنصات بادعاءات حول صدور تحذير جديد بـ “الجهاد”، إلا أن المصادر الرسمية التابعة لمكتب السيستاني والتقارير الإعلامية الكبرى لم تؤكد صدور أي فتوى من هذا النوع.
وتشير التحليلات إلى أن هذه الإشاعات غالبا ما تكون جزءا من حملات إعلامية أو ضغوط تمارسها بعض الفصائل المسلحة الموالية لطهران، في محاولة لاستنساخ “فتوى الجهاد الكفائي” التي أطلقتها المرجعية ضد تنظيم داعش عام ٢٠١٤.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن المرجعية رفضت الاستجابة لهذه الضغوط لإصدار فتوى جهادية ملزمة، مفضلة الحفاظ على مسافة أمان تقي العراق مغبة الانخراط المباشر في حرب إقليمية مدمرة.
لغز الصمت وسحب التصريحات
أما بخصوص ما يتردد عن “سحب مكتب السيستاني لتصريحاته” أو إصداره “تعليمات لأتباعه بالتوقف عن ذكر إيران”، فلا يوجد دليل رسمي أو تقني يدعم هذه المزاعم؛ حيث لا يزال الموقع الرسمي للمرجعية يحتفظ ببياناته السابقة دون تعديل أو حذف.
إن “الصمت” الذي يفسره البعض كونه تراجعا، يراه الخبراء في شؤون المرجعية النجفية كنهج استراتيجي متزن يهدف إلى تجنب التصعيد المباشر وتغليب مصلحة استقرار العراق.
مرجعية فوق الاستقطاب
يظل آية الله السيستاني ملتزما بمنهجه التاريخي القائم على الحكمة والابتعاد عن التشنجات التي قد تخرج عن السيطرة. ورغم تعاطفه المعلن مع أمن إيران وسلامة قيادتها الدينية، إلا أن المرجعية تدرك تماما الفرق بين “الإدانة السياسية” و”الفتوى الدينية القتالية”. وحتى اللحظة، يبدو أن النجف اختارت أن تظل “صمام أمان” يمنع تحول العراق إلى ساحة حرب مفتوحة، رافضة الانزلاق إلى صدام مباشر مع القوات الدولية عبر فتاوى قد لا تجد طريقا للتطبيق سوى بمزيد من الدماء والدمار في المنطقة.










