قرار «ميرسك» تحويل مسار جزء من أسطولها من قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح يعيد فتح ملف هشاشة التجارة عبر البحر الأحمر، ويضع ضغوطًا إضافية على زمن وتكلفة الشحن، وعلى إيرادات القناة، في لحظة عالمية شديدة الحساسية لسلاسل الإمداد.
ما القرار الذى اتخذته «ميرسك»؟
أعلنت شركة الشحن الدنماركية «ميرسك»، إحدى أكبر مشغلى حاويات البضائع فى العالم، أنها ستعيد توجيه بعض رحلاتها بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس، لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح جنوب إفريقيا بشكل مؤقت.
الشركة أوضحت فى بيان أن القرار جاء بعد «قيود غير متوقعة» فى بيئة العمل بالبحر الأحمر، ما جعل من الصعب تجنب تأخيرات متكررة فى المرور عبر المنطقة.
القرار يشمل بالأساس خدمتى ME11 وMECL، اللتين تربطان موانئ الشرق الأوسط والهند وأوروبا والساحل الشرقى للولايات المتحدة، مع ذلك شددت «ميرسك» على أن التحويل «مؤقت»، وأنها ستعود لإعطاء الأولوية لمسار قناة السويس فور استقرار الأوضاع الأمنية والتشغيلية.
لماذا رأس الرجاء الصالح الآن؟
طريق رأس الرجاء الصالح يعنى عمليًا الدوران حول القارة الإفريقية بدلًا من المرور من خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس، ما يضيف ما بين 3000 و3500 ميل بحرى إلى الرحلة المعتادة بين آسيا وأوروبا، أى ما يعادل 7–10 أيام إبحار إضافية فى المتوسط.
هذا الخيار كان يُنظر إليه سابقًا كحل استثنائى ومكلف، لكنه عاد بقوة إلى طاولة شركات الشحن الكبرى بعد الهجمات المتكررة على السفن فى البحر الأحمر والتهديدات الأمنية المحيطة بمضيق باب المندب.
خبراء لوجستيات يشيرون إلى أن «ميرسك» ليست وحدها؛ فشركات أخرى سبق أن لجأت للمسار نفسه فى أزمات سابقة، ما يخلق نمطًا واضحًا: كلما ارتفع منسوب الخطر فى البحر الأحمر، اتسع نطاق الدوران حول إفريقيا رغم ما يحمله من زيادة فى التكاليف واستهلاك الوقود.
كيف يتأثر زمن وتكلفة الشحن؟
التحويل إلى رأس الرجاء الصالح يرفع زمن الرحلة بين موانئ شرق آسيا وشمال أوروبا أو شرق المتوسط بنحو أسبوع إلى عشرة أيام، وهو فارق كبير فى عالم سلاسل الإمداد القائمة على الجداول الدقيقة ومخزون «اليوم بيوم».
هذه الزيادة الزمنية تترجم إلى تكلفة إضافية على وقود السفن، قد تصل إلى قرابة مليون دولار للرحلة ذهابًا وإيابًا وفق تقديرات لقطاع الشحن، إلى جانب تكاليف تشغيلية أخرى تتعلق بالأطقم والتأمين.
ولمواجهة هذه التكاليف، لجأت «ميرسك» وشركات أخرى إلى فرض رسوم إضافية على الشحنات، مثل «رسوم تعطل العبور» بنحو 200 دولار لكل حاوية قياسية، ورسوم موسم الذروة التى قد تصل إلى 1000 دولار للحاوية فى بعض الخطوط، ما يعنى أن جزءًا من فاتورة المسار الأطول ينتقل فى النهاية إلى المستوردين ثم المستهلكين.
هذه الرسوم تجعل قرار التحويل ليس مجرد خيار أمنى، بل عامل تضخم محتمل فى أسعار السلع عالميًا إذا استمر لفترة طويلة.ماذا عن قناة السويس ومصر؟قناة السويس تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبى لمصر، حيث تدر مليارات الدولارات سنويًا عبر رسوم عبور السفن، ويُقدّر أن أى تراجع ملموس فى حركة الحاويات عبر القناة ينعكس مباشرة على هذه الإيرادات.
خبرات أزمة جنوح سفينة «إيفر جيفن» أوضحت أن كل يوم تعطّل للقناة يعنى خسارة بين 12 و14 مليون دولار من الرسوم لمصر، إلى جانب خسائر ضخمة للتجارة العالمية، ما يؤكد حساسية القاهرة لأى تحرك واسع من شركات كبرى بعيدًا عن الممر.
مع ذلك، يؤكد متابعون لقطاع النقل البحرى أن قرار «ميرسك» يتعلق حاليًا بـ«بعض» الرحلات وليس كل الأسطول، وأن الطريق عبر قناة السويس لا يزال الممر المفضل والأقصر من حيث الوقت والتكلفة إذا ما استقرت الأوضاع الأمنية.
كما أن سعة الشحن العالمية قادرة، على المدى القصير، على استيعاب التحول الجزئى عبر إعادة توزيع السفن، وإن كان ذلك بسعر أعلى وزمن أطول.
هل نتجه إلى أزمة جديدة فى سلاسل الإمداد؟
تحذيرات مراكز أبحاث اقتصادية تشير إلى أن تكرار قرارات من هذا النوع يهدد بإعادة مشاهد 2020–2021، حين أدى اختناق سلاسل الإمداد إلى قفزات فى أسعار الشحن، وندرة فى بعض السلع، وارتفاع تكاليف الإنتاج.
الفارق اليوم أن الطلب العالمى أضعف نسبيًا، لكن المخاطر الأمنية أعلى، ما يجعل الشركات بين خيارين أحلاهما مر: مخاطرة أمنية فى ممر أقصر، أو تكلفة زمنية ومالية فى طريق أطول.
إذا استقر مسار «ميرسك» حول إفريقيا لفترة ممتدة، وقررت خطوط أخرى السير فى الاتجاه نفسه، فإن ذلك قد يعادل «سحب» نسبة من سعة الحاويات العالمية من السوق، وهى سعة تساوى عشرات السفن العملاقة، ما يضغط على القدرة الاستيعابية ويرفع أسعار الشحن مجددًا.
فى هذه الحالة يصبح قرار شركة واحدة جزءًا من موجة أوسع تعيد رسم خريطة التجارة البحرية بين الشرق والغرب.










