إغلاق أو حتى تهديد إغلاق مضيق هرمز يشعل أسعار الذهب عالميًا عبر مسار واضح: صدمة في إمدادات النفط، قفزة في التضخم وتكاليف الطاقة، ثم اندفاع استثماري واسع نحو الذهب كملاذ آمن.
أهمية مضيق هرمز كنقطة انطلاق لأزمة الذهب
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، حيث يمر عبره ما بين 17 و20 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
هذا التركّز الهائل في إمدادات الطاقة جعله يُوصَف بـ«شريان النفط العالمي»؛ فأي تعطّل أو إغلاق للمضيق يعني خروج جزء كبير من المعروض النفطي من السوق في وقت قصير.
هذا الخلل المفاجئ في الإمدادات يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة قد تصل إلى أرقام ثلاثية (أكثر من 100 دولار للبرميل وفق تقديرات بنوك استثمار دولية في سيناريو الإغلاق الكامل)، ما يطلق موجة تضخمية واسعة في الاقتصاد العالمي.
ومع تعقّد طرق الالتفاف على المضيق، خصوصًا للدول الخليجية التي تعتمد عليه في تصدير نفطها للأسواق الآسيوية، يتعمق الشعور بأن الأزمة ليست عابرة، وهو ما ينعكس مباشرة على سلوك المستثمرين تجاه الذهب.
كيف ينتقل أثر غلق هرمز إلى أسواق الذهب؟صدمة النفط والتضخم:
ارتفاع أسعار النفط بسبب غلق هرمز يعني ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والإنتاج عالميًا، ما يرفع معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى.
تاريخيًا، كل موجات ارتفاع النفط القوية ترافقت مع تسارع في التضخم، وهو ما يدفع المستثمرين وصناديق التحوط والمؤسسات المالية إلى إعادة تقييم محافظهم والبحث عن أصول تتحمل تآكل القوة الشرائية للعملات. الذهب كتحوّط من التضخم:
في ظل تضخم مرتفع وتقلبات بأسواق الأسهم والسندات، يعود الذهب لصدارة المشهد كأداة تحوّط رئيسية من فقدان قيمة العملات الورقية.
توقعات بعض البنوك الاستثمارية العالمية أشارت بالفعل إلى إمكانية تجاوز الذهب مستويات 3500 ثم 3600 دولار للأونصة في سيناريو تصعيد خطير في المضيق، مع وجود سيناريو أكثر تشددًا يرفع السقف النظري إلى حدود 4000 دولار للأونصة إذا امتدت الأزمة وأثرت على سلاسل الإمداد عالميًا.
مؤشر الخوف واندفاع السيولة نحو الملاذات الآمنة:
التوتر في مضيق هرمز لا يرفع فقط أسعار الطاقة، بل يرفع أيضًا «مؤشر الخوف» في الأسواق، فتزداد المخاوف من ركود تضخمي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار في آن واحد، وهو أخطر سيناريو للاقتصاد العالمي.
في هذه الحالة، تتراجع شهية المخاطرة على الأصول الخطرة (أسهم، سندات عالية العائد، عملات الأسواق الناشئة)، فيما تتجه السيولة نحو الذهب، والفرنك السويسري، وأحيانًا نحو الدولار الأمريكي أو السندات السيادية عالية التصنيف، لكن الذهب يظل المستفيد الأبرز لأنه أصل لا يرتبط بالتزامات طرف مُصدِر.
دور البنوك المركزية:
البنوك المركزية، خاصة في الاقتصادات الصاعدة وبعض الاقتصادات الكبرى المنافسة للولايات المتحدة، كانت قد رفعت بالفعل احتياطياتها من الذهب في السنوات الماضية كجزء من استراتيجية تقليل الاعتماد على الدولار.
اندلاع أزمة حادة بسبب إغلاق هرمز قد يدفع هذه البنوك إلى تسريع وتيرة مشترياتها من الذهب تحسبًا لهزات عنيفة في سوق العملات والديون، ما يضيف طلبًا رسميًا كبيرًا فوق الطلب الاستثماري المعتاد، ويزيد الضغط الصعودي على الأسعار.
سيناريوهات محتملة لتحرك الذهب مع غلق
المضيق سيناريو التصعيد القصير والمحدود:
في حال إغلاق جزئي للمضيق لفترة وجيزة مع تدخل دولي سريع لإعادة فتحه، قد نشهد ارتفاعًا حادًا مؤقتًا في النفط ينعكس على الذهب بقفزة سريعة، ربما بعشرات أو بضع مئات الدولارات للأونصة فوق مستويات ما قبل الأزمة، قبل أن تهدأ الأسعار نسبيًا مع عودة الإمدادات وتحسن المزاج في الأسواق.
سيناريو الإغلاق الممتد وتصاعد الصراع الإقليمي:
إذا استمر الإغلاق أو أصبحت ناقلات النفط تحت تهديد مستمر بسبب حرب أوسع في المنطقة، يتوقع محللون أن تقفز أسعار النفط إلى مستويات فوق 100–120 دولار للبرميل، بالتوازي مع صعود قوي في الذهب قد يدفعه إلى تخطي قممه التاريخية الحالية وربما ملامسة نطاق 3500–4000 دولار للأونصة وفق تقديرات بعض البنوك الدولية.
في هذا السيناريو، يدخل الاقتصاد العالمي في حالة «ركود تضخمي» تضرب فيها الثقة بالأسهم والسندات والعملات، بينما يتضخم وزن الذهب في المحافظ الاستثمارية وصناديق الثروات السيادية.
سيناريو الصدمة المعنوية دون إغلاق فعلي:
حتى دون إغلاق كامل، يكفي تصاعد التهديدات الإيرانية المتكررة بإمكانية إغلاق مضيق هرمز لإرباك أسواق النفط، ورفع علاوة المخاطر على كل شحنة تمر عبر الخليج، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وبالتالي إلى أسعار نفط أعلى قليلاً لكنها مستمرة.
في هذه الحالة، يتلقى الذهب دعمًا من حالة التوتر المزمنة، وإن كانت القفزات السعرية أقل حدة من سيناريو الإغلاق الفعلي.تفاعل أسواق العملات والبورصات مع طفرة الذهبإغلاق المضيق قد يضغط على عملات الدول المستوردة للطاقة، التي ستواجه فاتورة نفطية أعلى وعجزًا تجاريًا متفاقمًا، بينما تستفيد بعض عملات الدول المصدّرة للنفط، وإن كان ذلك يترافق مع مخاطر سياسية وأمنية في المنطقة.
في الوقت نفسه، تتعرض أسواق الأسهم العالمية لضغوط من توقعات تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف التمويل، ما يدفع المستثمرين لتقليص مراكزهم في الأسهم لصالح الذهب والأصول الدفاعية الأخرى.
في مثال قريب، أظهرت تقارير اقتصادية حديثة أن مجرد تصاعد التوتر في هرمز، مع تهديدات بإغلاقه، ألقى بظلال ثقيلة على أسواق النفط والمعادن والعملات، ورافقه ارتفاع ملموس في أسعار الذهب، قبل أن تتراجع الأسعار قليلاً مع هدوء نسبي وترقب قرارات الفائدة الأمريكية، بينما ظل الذهب محافظًا على مستويات مرتفعة فوق 5000 دولار للأونصة.
هذا المثال يوضح أن المضيق لا يحتاج أن يُغلق تمامًا كي ينعكس أثره على الذهب؛ يكفي أن يصبح عنوانًا يوميًا في نشرات الأخبار حتى تتغير شهية المستثمرين وتتحرك السيولة نحو الملاذات الآمنة.










