ردود فعل متباينة في إيران بين الحداد على خامنئي والاحتفالات بانتهاء حكم دام 36 عامًا
طهران –01 مارس 2026 – المنشر الإخبارى
هزّت أنباء اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي العاصمة طهران وبقية المدن الإيرانية، وأثارت مزيجًا من الحزن والفرح بين المواطنين، في مشهد غير مسبوق يعكس الانقسامات العميقة داخل المجتمع الإيراني بعد حكم دام أكثر من أربعة عقود.
ردود فعل متباينة
في صباح الأحد، غصّت شوارع طهران بالمواطنين الذين خرجوا للتعبير عن حدادهم على وفاة الزعيم الأعلى، حاملين صور خامنئي ورافعين لافتات تحمل شعارات تأبينه، مرددين هتافات من قبيل “الموت لأعداء إيران” و”المرشد حي في قلوبنا”.
لكن مشاهد الاحتفال والفرح لم تتأخر في الظهور. فقد بثت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت مجموعات من الشباب والفتيات يرقصون في الشوارع، ويطلقون الألعاب النارية، ويطلقون أبواق سياراتهم احتفالاً بانتهاء عهد كان بحسب بعضهم مليئًا بالقمع والعنف.
مواطنون مثل نازانين، إعلامية تبلغ 24 عامًا وتعيش في قلب طهران، قالت: “الشارع مكتظ! دموعي انهمرت، لكن لم أتمكن من التوقف عن التفكير في نيكا وسارينا ومهسا، النساء الثلاث اللواتي قتلن عام 2022 على يد النظام، واللواتي صرن رمزًا لحركة ‘النساء، الحياة، الحرية’. اليوم شعرت وكأن العدالة بدأت تتحقق”.
صدمة حملة يناير لا تفارق الإيرانيين
انقسام المشاعر يعود جزئيًا إلى أحداث يناير الماضي، عندما شنت السلطات الإيرانية حملة قمع دموية ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 7000 شخص وإصابة واعتقال عشرات الآلاف وفق تقارير منظمة حقوق الإنسان الأمريكية “هرانا”.
مينا، طالبة جامعية تبلغ 20 عامًا، أصيبت برصاصة في صدرها خلال تلك الاحتجاجات، قالت: “رأيت شبابًا وسيدات يسقطون أمامي. لم أنس ذلك المشهد أبدًا، واليوم شعرت بالارتياح عندما سمعت نبأ وفاة خامنئي”.
طبيب مقيم في مدينة رشت أكد أنه احتفل بهدوء بعد سماع الخبر، قائلاً: “لقد دخنت سيجارة لأول مرة منذ سنوات. لم أتوقع أن أشعر بهذا الارتياح، لكن الخبر جلب شعورًا بالراحة للكثيرين”.
الحزن والخوف يتلاقيان
على الرغم من المشاعر المختلطة، بقي الخوف حاضرًا لدى الكثيرين. فقد شهدت العاصمة تجمعات كبيرة للحداد، مع انتشار قوات الأمن المسلحة ومسلحين يحملون بنادق “كلاشينكوف”، وهو ما يعكس مخاوف المواطنين من أي رد فعل عنيف محتمل بعد وفاة خامنئي.
حسين دادبخش، طالب جامعي يبلغ 21 عامًا، قال: “أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجل إيران والإسلام. سننتقم لمن استشهدوا من أجل الدفاع عن وطننا”.
في المقابل، أعرب بعض الإيرانيين عن قلقهم بشأن المستقبل بعد رحيل الزعيم، خصوصًا في ظل الفوضى التي شهدتها دول مجاورة بعد انهيار أنظمة مماثلة. أتوسا ميرزاده، معلمة في شيراز، قالت: “لا أستطيع أن أكون سعيدة، لأننا لا نعرف ما سيحدث الآن. لقد رأينا ما حدث في العراق وفوضى الدماء التي أعقبتها. أفضل الجمهورية الإسلامية على تلك الفوضى”.
الاحتفالات في المدن الأخرى
في مدن مثل أراك ومشهد وكرج، خرج السكان إلى الساحات العامة، حيث تبادلوا الشاي، ورفع بعضهم رايات الاحتفال. كما ركب الطلاب الدراجات النارية وجابوا الشوارع في مشهد بهيج، خصوصًا في مسقط رأس خامنئي، مما يدل على وجود مشاعر مختلطة من الفرح والتحفظ في الوقت نفسه.
مها بيرائي، المقيمة خارج إيران والتي فقدت والدتها على يد قوات النظام خلال احتجاجات “النساء، الحياة، الحرية”، قالت: “اليوم يوم جميل. الطريق ما يزال طويلًا، لكن وفاة خامنئي تمثل بداية عهد جديد. نحن وعائلاتنا ننتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل”.
الأبعاد السياسية والعسكرية
وفاة خامنئي تثير أسئلة كبيرة على مستوى السلطة السياسية في إيران. من المنتظر أن يؤدي غياب الزعيم الأعلى إلى إعادة ترتيب المناصب العليا في الحكومة والجيش، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع إيرانية حساسة، ما أضعف البنية العسكرية والأمنية للبلاد مؤقتًا.
تحليلات خبراء السياسة تقول إن الانقسامات داخل الشارع الإيراني قد تتفاقم، مع احتمال ظهور احتجاجات جديدة أو نزاعات على النفوذ بين الفصائل المختلفة داخل النظام.
تأثير اجتماعي وثقافي
وفاة خامنئي لن تقتصر آثارها على السياسة فحسب، بل تشمل المجتمع الإيراني بكامله. فقد أدى حكمه الذي استمر 36 عامًا إلى تغييرات جذرية في التعليم والدين والحياة الاجتماعية، وأثّر على حرية التعبير والحقوق المدنية، وهو ما يجعل رحيله لحظة فاصلة في التاريخ الإيراني الحديث.
المواطنون الآن أمام مشهد مزدوج؛ حداد على شخص اعتبره البعض مرشدًا وملهماً، وفرح لدى من رأوا فيه رمزًا للقمع والاضطهاد، وهو ما يجعل الوضع الاجتماعي في البلاد هشًا ويستدعي الحذر في التعامل مع ردود الفعل المختلفة.
الأفق القادم
من المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة تحركات سياسية حذرة داخل الحكومة الإيرانية، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار الأمني ومنع أي احتجاجات عنيفة. كما ستتابع الدول الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا، تطورات الوضع عن كثب، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران.
في الوقت ذاته، يبقى الشارع الإيراني مسرحًا لمشاعر متباينة، بين الخوف والفرح، الحزن والأمل، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تنتظر البلاد في مرحلة ما بعد خامنئي.










