إغلاق مضيق هرمز أو حتى التلويح به لا يربك أسواق النفط فقط، بل يهزّ خريطة أسعار الدولار عالميًا عبر مسارين متعاكسين: دعمه كملاذ آمن، وفي الوقت نفسه تهديده عبر موجة تضخم عالمية واضطرابات في تدفقات الطاقة والتجارة.
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية وأكثر من 17 مليون برميل يوميًا، ما يجعل أي إغلاق جزئي أو كلي له صدمة مباشرة لأسعار الطاقة وحركة الملاحة العالمية.
خبراء اقتصاد وطاقة يحذرون من أن تعطّل المضيق يحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مفتوحة، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويضغط على التجارة الدولية والتضخم في آن واحد.
هذا الموقع الاستراتيجي يفسر لماذا تتحول الأخبار الواردة من المضيق إلى عامل رئيسي يحرّك ليس فقط النفط والغاز، بل أيضًا أسواق العملات وسعر صرف الدولار أمام عملات كبرى وعملات ناشئة.
كيف يدعم إغلاق هرمز قوة الدولار؟
الدولار كملاذ آمن في زمن الأزمات:
في لحظات التوتر الجيوسياسي وارتفاع منسوب المخاطر، يميل المستثمرون وصناديق الاستثمار العالمية إلى التخارج من الأصول عالية المخاطر واللجوء إلى أصول يُنظر إليها كأكثر أمانًا، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي وسندات الخزانة.
تقارير مصرفية دولية أظهرت أن تصاعد احتمالات التصعيد في الخليج، مع تهديدات بإغلاق هرمز، دفع مؤشر الدولار إلى الارتفاع أمام سلة عملات رئيسية، مدعومًا بتدفقات سيولة الباحثين عن ملاذ آمن.
أمريكا كمُصدّر صافٍ للطاقة:
تحليلات اقتصادية حديثة تشير إلى أن الولايات المتحدة، بوصفها مُصدرًا صافيًا للطاقة، قد تستفيد نسبيًا من ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير، ما يمنح الاقتصاد الأمريكي وبعض شركات الطاقة هناك دعمًا إضافيًا، وينعكس بشكل غير مباشر في ثقة أعلى بالدولار مقارنة بعملات دول مستوردة للطاقة.
خبراء من بنوك دولية توقعوا أن يواصل الدولار تفوقه على معظم العملات إذا استمرت اضطرابات الإمدادات، مع استثناءات محدودة مثل الين الياباني والفرنك السويسري اللذين ينافسانه كملاذات آمنة.
تخارج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة:
شهادات خبراء اقتصاد في دول نامية، من بينها مصر، تؤكد أن الأزمات الكبرى في أسواق الطاقة تدفع رؤوس الأموال الساخنة إلى الخروج من أدوات الدين والأسهم في الأسواق الناشئة، والعودة إلى الدولار أو الذهب، وهو ما يؤدي إلى ضغوط على عملات هذه الدول وتراجع قيمتها أمام العملة الأمريكية.
هذا النزوح الرأسمالي يعزز مكاسب الدولار في سوق الصرف، بينما تدخل عملات عديدة في موجة تراجع قد تتطور إلى أزمات في ميزان المدفوعات.
في المقابل… أين تكمن مخاطر هرمز على الدولار؟صدمة تضخمية عالمية معقّدة:
إغلاق هرمز يعني ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط، مع تقديرات بوصول البرميل إلى مستويات قد تتجاوز 100–120 دولارًا في سيناريو التصعيد الواسع، وهو ما يغذي موجات تضخم عالمي جديدة.
ارتفاع التضخم يضع البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي، أمام معادلة صعبة بين رفع الفائدة لكبح الأسعار أو دعم النمو المتباطئ، وأي خطأ في إدارة هذه المعادلة قد يضعف الثقة في الأجندة الاقتصادية الأمريكية، وبالتالي في القدرة المستقبلية للدولار على الحفاظ على قوته.
سباق نحو ملاذات بديلة (الذهب والعملات الصلبة):
في الأزمات الحادة، يتقاسم الدولار الملاذ الآمن مع الذهب وبعض العملات الأخرى، ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، ينبه اقتصاديون إلى أن جزءًا متناميًا من المستثمرين يفضّل الاحتفاظ بالذهب أو أصول حقيقية أخرى، بدلًا من الاعتماد الكامل على الدولار وحده.
هذه النزعة، وإن لم تُضعف الدور المحوري للدولار فورًا، فإنها تُظهر أن قدرته على احتكار الثقة العالمية ليست مطلقة، وأن الأزمات المتكررة المرتبطة بالطاقة والجغرافيا السياسية قد تدفع بعض الاقتصادات إلى تسريع خطط تنويع احتياطياتها.
تأثيرات متفاوتة بين العملات الرئيسية:
تقارير أسواق العملات تشير إلى أن التوترات في الخليج لا ترفع الدولار وحده، بل تحرك أيضًا الين الياباني والفرنك السويسري اللذين يستفيدان تاريخيًا من تراجع شهية المخاطرة، ما يعني أن مكاسب الدولار قد تُواجه بمنافسة على «لقب» الملاذ الأكثر أمانًا.
في المقابل، تتراجع عملات مرتبطة ارتباطًا إيجابيًا بالمخاطرة مثل عملات عدد من الاقتصادات الآسيوية أو عملات السلع، ما يوسع الفجوة بينها وبين الدولار.
من الرابح ومن الخاسر إذا أُغلق المضيق؟
عملات الاقتصادات المستوردة للطاقة:
تواجه خطر تدهور في سعر الصرف أمام الدولار بسبب ارتفاع فاتورة الواردات النفطية وتزايد العجز التجاري، إضافة إلى احتمالات خروج استثمارات أجنبية بحثًا عن أمان أكبر في الدولار أو الذهب.
الاقتصادات النفطية:
تستفيد من ارتفاع أسعار النفط في جانب الإيرادات، لكنها تواجه في الوقت نفسه مخاطر أمنية متزايدة واضطرابات في الملاحة، ما يجعل الصورة معقدة، ويظل الدولار هو العملة المرجعية في تسعير صادراتها واحتياطياتها.
الأسواق المالية العالمية:
التوتر في هرمز يحول البورصات إلى مسرح لتقلبات حادة، مع ضغوط على أسهم الشركات المستوردة للطاقة والنقل والصناعة، في حين تتجه السيولة نحو أدوات الدين الأمريكية المقومة بالدولار، ما يمنح العملة مزيدًا من الزخم.
في المحصلة، إغلاق مضيق هرمز يفرض على الدولار اختبارًا مزدوجًا؛ فهو المستفيد الأول من الهروب إلى الأمان، لكنه يقف أيضًا في قلب عاصفة تضخم عالمي واضطراب في سلاسل الإمداد قد تعيد فتح النقاش حول مستقبل هيمنته إذا طال أمد الأزمة وتعقّدت مساراتها.










