المنشر الاخباري| 1 مارس 2026، في مشهد لم تشهده حركة التجارة البحرية الدولية منذ عقود، أعلنت كبرى شركات الشحن العالمية يوم السبت تعليق ملاحتها في الخليج العربي وإعادة توجيه مسارات سفنها بعيدا عن المياه الخليجية، في استجابة مباشرة للمخاطر الأمنية المتصاعدة التي أفرزها العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
وجاءت هذه القرارات المتسارعة لتلقي بظلالها الثقيلة على حركة النفط والتجارة الدولية عبر أحد أكثر الممرات المائية حيوية وحساسية في العالم.
الحرس الثوري يغلق هرمز.. رسائل لاسلكية توقف السفن
أشعل الحرس الثوري الإيراني فتيل الأزمة البحرية حين أرسل رسائل لاسلكية عاجلة إلى السفن التجارية العابرة، يحذرها صراحة من الاقتراب من مضيق هرمز أو محاولة العبور عبره.
ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن المضيق بات “مغلقا بحكم الأمر الواقع” في ضوء الظروف الأمنية الراهنة، وهو توصيف يحمل من الخطورة ما يكفي لإعادة رسم خارطة الشحن البحري العالمي بالكامل.
ويتربع مضيق هرمز على قمة هرم الأهمية الاستراتيجية في منظومة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره يوميا ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط الخام، أي ما يعادل نحو عشرين بالمئة من إجمالي الاستهلاك النفطي العالمي.
وتمر عبره أيضا ما يقارب خمس صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم، معظمها صادر عن دولة قطر وفق بيانات وكالة الطاقة الأمريكية. وإغلاق هذا الشريان، ولو مؤقتا، يعني اضطرابا فوريا وحادا في أسواق الطاقة والتجارة الدولية يمتد تأثيره من طوكيو إلى نيويورك.
CMA CGM الفرنسية.. توقف كامل وتحويل عبر رأس الرجاء الصالح
كانت شركة CMA CGM الفرنسية، ثالث أكبر ناقل للحاويات في العالم، في طليعة الشركات التي أعلنت موقفا واضحا وحازما. فقد أصدرت الشركة تعليمات فورية لسفنها المتواجدة في مياه الخليج بالتوجه إلى “إيجاد ملجأ آمن”، مع وقف فوري وكامل للمرور عبر قناة السويس حتى إشعار آخر.
وبدلا من المسار المعتاد عبر البحر الأحمر وقناة السويس، قررت الشركة تحويل جميع رحلاتها عبر رأس الرجاء الصالح جنوبي إفريقيا، وهو خيار يطيل زمن الرحلة بما يتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع إضافية، ويرفع تكاليف التشغيل بصورة ملموسة تنعكس حتما على أسعار السلع في أسواق المستهلكين.
وأكدت CMA CGM أن القرار جاء مرتبطا بتقييد الحركة في مضيق هرمز وباب المندب معا، مشددة على أن سلامة أطقمها وطواقم سفنها تبقى الأولوية المطلقة التي لا تقبل المساومة، ووعدت بنشر تحديثات دورية حول الموانئ البديلة وانعكاسات التغيير على سلاسل التوريد العالمية.
هاباغ-لويد وميرسك.. عملاقا البحر يتوقفان
انضمت إلى هذا التوجه شركة Hapag-Lloyd الألمانية، خامس أكبر شركة شحن بحري في العالم، التي أعلنت بدورها تعليق العبور من مضيق هرمز بصورة كاملة حتى إشعار آخر، دون أن تحدد جدولا زمنيا لاستئناف رحلاتها الاعتيادية في انتظار تبلور المشهد الأمني.
أما شركة Maersk الدنماركية، عملاق صناعة الشحن العالمي الذي تغطي سفنه شبكة من أكثر من خمسمئة ميناء حول العالم، فقد بادرت إلى إخطار عملائها بأنها تواجه “قيودا غير متوقعة” في منطقة البحر الأحمر، مما اضطرها لإعادة توجيه جزء معتبر من رحلاتها عبر الطريق الأطول والأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح، محذرة من تأخيرات محتملة في الشحنات خلال الأسابيع القادمة.
اليابان تنسحب من هرمز
على الطرف الآسيوي من المعادلة، أعلنت ثلاث من كبرى شركات الشحن اليابانية توقفها عن العبور عبر مضيق هرمز. فقد أصدرت شركة Mitsui O.S.K Lines وشركتا Nippon Yusen وKawasaki Kisen قرارات فورية بوقف العبور، وأكدت الشركات الثلاث أن سفنها ستبقى راسية في “مياه آمنة” إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية، في خطوة تعكس حجم القلق الياباني من الاضطرابات المتوقعة في إمدادات الطاقة، إذ تعتمد اليابان اعتمادا شبه كلي على النفط الخليجي لتغذية اقتصادها الصناعي الضخم.
أسواق الطاقة وسلاسل التوريد في مواجهة العاصفة
يفضي هذا الانهيار المتسارع في حركة الشحن العالمي إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية المتشعبة. فأسعار التأمين البحري على رحلات الخليج قفزت بصورة حادة خلال ساعات، فيما يتوقع المحللون ارتفاعا ملموسا في أسعار النفط الخام في الأسواق الآجلة مع تزايد المخاوف من شح الإمدادات. ويضاف إلى ذلك أن إطالة مسارات الشحن عبر رأس الرجاء الصالح ترفع تكلفة نقل البضائع وتطيل أوقات التسليم، مما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق العالمية.
وتتخوف الأوساط الاقتصادية الدولية من أن يتحول ما بدأ بأزمة أمنية عسكرية محدودة إلى صدمة اقتصادية عالمية ممتدة، في حال استمر إغلاق مضيق هرمز لأسابيع أو أشهر. وتشير التقديرات إلى أن كل أسبوع إضافي من الإغلاق يكبد الاقتصاد العالمي خسائر تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، في حين تبقى أسواق النفط والغاز رهينة لمآلات صراع لم تتضح نهايته بعد.










