إسبانيا تصدرت واجهة الأحداث الدولية بعدما قررت منع استخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها في أي عمليات هجومية أمريكية ضد إيران، ما أدى إلى مغادرة عدد من الطائرات الأمريكية الأراضي الإسبانية وتحوّلها إلى قواعد في دول أوروبية أخرى.
هذا الموقف الصارم وضع مدريد في موقع مغاير لعدد من حلفائها الأوروبيين، وفتح نقاشًا واسعًا حول حدود التعاون العسكري مع واشنطن في ظل التصعيد الحالي ضد طهران.
خلفية القرار الإسباني
جاء القرار الإسباني في سياق موجة من الغارات الأمريكية – الإسرائيلية على أهداف داخل إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، في إطار عملية عسكرية وُصفت بأنها واسعة النطاق وتستهدف البنية الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وتشارك في هذه العمليات طائرات أمريكية بعيدة المدى تعتمد بشكل أساسي على طائرات التزوّد بالوقود جوًا من طراز KC-135، والتي كانت متمركزة منذ سنوات في قواعد بإسبانيا.
هذه القواعد، وعلى رأسها قاعدتا روتا (قرب قادس) ومورون دي لا فرونtera (في إقليم إشبيلية)، تعمل بنظام “الاستخدام المشترك” بين الولايات المتحدة وإسبانيا، لكنها تظل رسميًا تحت السيادة الإسبانية الكاملة وفق الاتفاقيات الثنائية.
ومع تصاعد المخاوف من توسّع الصراع في الشرق الأوسط، بدأت مدريد في إعادة تقييم دور هذه القواعد في أي عمل عسكري لا يحظى بغطاء قانوني دولي واضح.
تفاصيل منع استخدام القواعد ومغادرة الطائرات
أكدت الحكومة الإسبانية، عبر وزيرة الدفاع مارجاريتا روبليس، أن الطائرات الأمريكية المتمركزة في روتا ومورون لن تشارك في أي مهام دعم أو صيانة أو إسناد لعمليات الهجوم على إيران.
وأوضحت أن واشنطن “اتخذت بشكل سيادي” قرار إعادة نشر طائرات التزوّد بالوقود في قواعد بديلة، بعدما بات واضحًا أن إسبانيا لن تسمح باستخدام أراضيها لهذا الغرض.
تقارير ملاحية وخرائط طيران، من بينها بيانات موقع “فلايت رادار 24”، أظهرت مغادرة نحو 15 طائرة أمريكية الأجواء الإسبانية في الساعات التالية لبدء الغارات على إيران، متجهة إلى قواعد في ألمانيا وجنوب فرنسا وغيرها من الوجهات الأوروبية.
وتشمل هذه الطائرات بالأساس طائرات بوينغ KC-135 ستراتوتانكر، وهي عنصر محوري في قدرة سلاح الجو الأمريكي على تنفيذ عمليات بعيدة المدى ضد أهداف داخل العمق الإيراني.
كما أكدت مصادر عسكرية إسبانية أن قرار مدريد يعني عمليًا أن أي عمليات هجومية من الأراضي الإسبانية أو عبر أجوائها، إذا لم تكن مغطاة باتفاقيات قائمة ومنسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة، لن تُمنح لها الموافقة، مهما كانت هوية الحليف الذي يطلب ذلك.
الموقف السياسي والقانوني لمدريد
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث وصف الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران بأنها “عمل عسكري أحادي وغير مبرَّر وخطير”، محذرًا من أنها تسهم في خلق “نظام دولي أكثر عدائية وعدم استقرار”.
وبهذه اللغة، رسم سانشيث مسافة واضحة بين حكومته وبين أسلوب إدارة الصراع الحالي مع طهران من جانب واشنطن وتل أبيب.
وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس شدّد في مقابلات إعلامية على أن القواعد المشتركة في روتا ومورون “لن تُستخدم في أي عملية لا تندرج ضمن الاتفاقية الدفاعية الموقّعة مع الولايات المتحدة ولا تنسجم مع ميثاق الأمم المتحدة”.
وأوضح أن إسبانيا، رغم سعيها لـ“الديمقراطية والحرية والحقوق الأساسية للشعب الإيراني”، ترفض الانخراط في عمل عسكري تعتبره متعارضًا مع القانون الدولي.
بهذا الموقف، وجّهت مدريد رسالة مزدوجة: الأولى إلى واشنطن مفادها أن الشراكة العسكرية لا تعني شيكًا على بياض لاستخدام الأراضي الإسبانية، والثانية إلى طهران بأنها لا تريد أن تُحسب على معسكر يسعى لتوسيع دائرة الحرب في المنطقة.
وفي المقابل، حذّر السفير الإيراني في إسبانيا من أن بلاده قد تستهدف أي قاعدة أمريكية في أوروبا “إذا اقتضت الضرورة”، في إشارة تعكس خطورة التصعيد واحتمال اتساع نطاقه الجغرافي.
تمايز إسبانيا عن حلفائها الأوروبيين
موقف مدريد لا يتطابق مع مواقف جميع شركائها في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، إذ أبدت بريطانيا استعدادها للسماح باستخدام قواعدها في إطار ما وصفته بـ“الضربات الدفاعية” ضد القدرات الصاروخية الإيرانية.
كما انخرطت فرنسا وألمانيا في تنسيق مع واشنطن يتيح “الإجراءات الدفاعية الضرورية والمتناسبة” لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، بحسب بيانات صادرة عن عواصم أوروبية كبرى.
هذا التمايز جعل إسبانيا أقرب إلى معسكر أوروبي يدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية وتجنّب التصعيد العسكري المفتوح مع إيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتها داخل الناتو.
ويعتمد هذا النهج على التأكيد المستمر على قاعدة أن أي استخدام للقواعد أو الأراضي الإسبانية يجب أن يجري ضمن الإطار الشرعي الدولي المتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة، لا خارجَه.
أبعاد القرار وانعكاساته
على المستوى الاستراتيجي، يجبر القرار الإسباني الولايات المتحدة على إعادة توزيع جزء من بنيتها اللوجستية في أوروبا، والبحث عن بدائل عملية لقواعد روتا ومورون التي تتمتع بموقع جغرافي حيوي بين المتوسط والأطلسي ومسارات الطيران نحو الشرق الأوسط.
وقد بدأت بعض هذه الطائرات بالفعل في التمركز في قاعدة رامشتاين بألمانيا وقواعد أخرى في فرنسا والمملكة المتحدة، ما يزيد من تعقيد خطوط الإمداد الجوية للعمليات ضد إيران.
أما على الصعيد السياسي، فيُنتظر أن يعزز هذا الموقف صورة إسبانيا كدولة حريصة على الالتزام الصارم بالقانون الدولي، حتى إن جاء ذلك على حساب إغضاب أقوى حلفائها العسكريين.
وفي الداخل الإسباني، يندرج القرار ضمن رؤية حكومة يسار الوسط التي تسعى إلى رسم سياسة خارجية أكثر استقلالية عن واشنطن وأكثر انسجامًا مع قواعد الشرعية الدولية، خاصة في الملفات ذات الحساسية العالية مثل إيران.
في ضوء ذلك، يبقى السؤال الأبرز : هل ستنجح مدريد في الموازنة بين شراكتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة وبين إصرارها على عدم التورط في حرب مفتوحة مع إيران، أم أن الضغط العسكري والسياسي المتصاعد في المنطقة سيضع هذا التوازن تحت الاختبار في المرحلة المقبلة؟











