تداعيات الحرب المشتعلة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجاوزت ساحات المواجهة العسكرية لتصل سريعاً إلى موائد المصريين عبر بوابة أسواق الطاقة والشحن والتجارة العالمية، مع تحذيرات من ضغوط جديدة على أسعار السلع التموينية، رغم تأكيدات رسمية بوجود مخزون استراتيجى يكفى شهوراً.
صدمة النفط والطاقة.. الشرارة الأولى
خبراء الاقتصاد يتفقون على أن التأثير المباشر للحرب يمر أولاً عبر سوق النفط، حيث دفعت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران الأسعار للصعود وسط مخاوف على إمدادات الخليج ومضيق هرمز الذى يمر عبره نحو 20 إلى 25% من تجارة النفط العالمية.
تزامن ذلك مع قفزة فى تكاليف التأمين والشحن البحرى، خاصة فى مسارات الخليج والبحر العربى والبحر الأحمر، ما يعنى أن كلفة نقل كل طن من القمح أو الزيت أو السكر إلى الموانئ المصرية أصبحت أعلى من ذى قبل، حتى قبل إضافة هامش ربح الموردين.
تقرير تحليلى أشار إلى أن استمرار التصعيد أو اتساع نطاق الحرب جغرافياً وزمنياً سيترجم إلى موجة تضخمية عالمية جديدة تضرب قطاعات الغذاء والطاقة والنقل، مع احتمال تباطؤ النمو العالمى وتراجع شهية الاستثمار، وهو ما يضع الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، فى دائرة الخطر.
فى أسواق المال، بدأت علامات القلق بالفعل؛ الدولار يتحصن كملاذ آمن أمام عملات الدول الناشئة، والذهب يسجل ارتفاعات جديدة، بينما تشهد أسواق الدين تخارجات من بعض الاقتصادات الهشة تحسباً لتفاقم الصراع، ما يزيد الضغط على موارد النقد الأجنبى الضرورية لتمويل واردات الغذاء المصرية.
السلع التموينية تحت الضغط
تجربة الحرب الروسية الأوكرانية لا تزال حاضرة، حيث تسبب تعطّل صادرات القمح والزيوت والأسمدة فى موجة غلاء عالمية حذر منها برنامج الأغذية العالمى، مع تأثيرات قاسية خصوصاً على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
اليوم، تعيد حرب إيران وإسرائيل وأمريكا إنتاج السيناريو نفسه ولكن بمدخل مختلف؛ فبدلاً من توقف الإنتاج، يدور الخطر حول ارتفاع حاد فى تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، إلى جانب احتمال تعطل حركة السفن فى بعض الممرات الحيوية.
فى الحالة المصرية، يعتمد السوق المحلى بدرجة كبيرة على استيراد القمح والزيوت والسكر وبعض منتجات الألبان من الأسواق العالمية، ما يجعل أسعار هذه السلع حساسة لأى اضطراب فى منظومة التجارة العالمية أو قفزة فى أسعار الطاقة.
تقارير برلمانية سابقة رصدت بالفعل ارتفاع الفاتورة الاستيرادية لمصر من السلع الغذائية الأساسية والزيت الخام والغاز الطبيعى ومستلزمات الإنتاج، نتيجة عدم انتظام سلاسل الإمداد العالمية وبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، وهو ما ينعكس فى زيادة عجز الميزان التجارى والضغوط التضخمية الداخلية.
وفق مصادر فى الغرف التجارية، الحرب الجارية تمثل «تهديداً مباشراً لرغيف الخبز»، لأن زيادة كلفة الوقود والشحن والتأمين على السفن سترفع أسعار القمح والغذاء عالمياً، وهو ما بدأت بوادره فى تحركات أسعار العقود الآجلة لبعض الحبوب والزيوت.
هذا يعنى أن مصر قد تواجه خلال الأشهر المقبلة تحدياً مزدوجاً: تكلفة أعلى لتأمين احتياجاتها من القمح والزيت والسكر، مع هامش أقل للمناورة فى دعم الأسعار وحماية الشرائح الأضعف من المستهلكين.
تحركات الحكومة والمخزون الاستراتيجى
فى مواجهة هذه المخاطر، اتخذت الحكومة المصرية خلال العامين الأخيرين، ومع تصاعد التوترات فى الشرق الأوسط، سلسلة إجراءات لزيادة المخزون الاستراتيجى من السلع الأساسية، فى مقدمتها القمح والزيوت والسكر واللحوم، كدرع واقية أمام أى صدمات مفاجئة.
تصريحات رسمية سابقة كشفت عن تنسيق بين البنك المركزى ووزارة المالية والحكومة لتوفير التمويل اللازم لعمليات الاستيراد، مع توجيه لزيادة شهور الغطاء الاستراتيجى للسلع التموينية، وعدم الاكتفاء بالحد الأدنى، تحسباً لانقطاع أو تعطل سلاسل الإمداد نتيجة أى حرب أو إغلاق ممرات بحرية.
كما تتابع الحكومة تطورات أسواق النفط والغاز والقمح والزيوت لحظة بلحظة، مع دراسة سيناريوهات متعددة لتأثير استمرار الحرب على أسعار الوقود محلياً، وعلى تكلفة إنتاج الخبز المدعم وباقى السلع، بما فى ذلك احتمالات إعادة هيكلة دعم الخبز أو توجيه مزيد من الموارد للفئات الأكثر تضرراً.
محللون يرون أن امتلاك مخزون استراتيجى آمن يمنح القاهرة فرصة لامتصاص الصدمة على المدى القصير، لكن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يستنزف هذا الهامش، ويفرض تحركات جديدة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، والتفاوض على عقود طويلة الأجل، وربما اللجوء إلى أسواق بديلة أقل كلفة فى أمريكا الجنوبية أو آسيا الوسطى.
سيناريوهات السوق المصرى فى الأشهر المقبلة
خبراء الاقتصاد يرسمون عدة سيناريوهات محتملة لتأثير الحرب على سوق السلع التموينية فى مصر؛ السيناريو الأقرب تفاؤلاً يفترض أن تظل العمليات العسكرية محدودة زمنياً وجغرافياً، مع عدم امتدادها إلى إغلاق فعلى لمضيق هرمز أو تعطيل واسع للملاحة، وبالتالى يقتصر التأثير على ارتفاعات «متحكم فيها» فى أسعار النفط والشحن يمكن إدارتها عبر المخزونات والدعم.
أما السيناريو الأسوأ فيفترض اتساع رقعة المواجهة أو استمرارها لأسابيع طويلة، ما سيؤدى إلى قفزات أكبر فى أسعار الطاقة، وتوتر حاد فى حركة الشحن العالمية، وتزايد المضاربات فى أسواق الغذاء، وهو ما قد يترجم إلى موجة غلاء جديدة فى أسعار السلع التموينية محلياً، رغم محاولات الحكومة لامتصاص الجزء الأكبر منها.
فى كل الأحوال، يبقى المستهلك المصرى فى صدارة دائرة التأثر، بين ضغوط قائمة مسبقاً من ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية، وبين مخاوف من أن تفتح الحرب الجديدة باباً لموجة تضخمية إضافية، ما لم تنجح السياسات الحكومية فى تحقيق توازن دقيق بين دعم الأمن الغذائى والحفاظ على استقرار الموازنة العامة.
وفى ظل مشهد إقليمى مفتوح على احتمالات عديدة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة فى تحديد ما إذا كانت حرب إيران وإسرائيل وأمريكا ستظل أزمة «على شاشات الأخبار»، أم أنها ستتحول بالفعل إلى معركة يومية فى سوق السلع التموينية داخل مصر.










