يشهد التشكيل الجديد للمجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر حالة واسعة من المتابعة والجدل، بين ترحيب رسمى يعتبره خطوة لتعزيز ملف الحقوق والحريات، وانتقادات حقوقية تشكك فى مدى استقلالية المجلس وفاعليته وقدرته على القيام بدور رقابى حقيقى خلال دورته الجديدة.
تشكيل جديد وأسماء لافتة
أُعلن خلال الأيام الماضية عن تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان لدورة جديدة، متضمناً اختيار السفير أحمد إيهاب عبد الأحد جمال الدين رئيساً للمجلس، ومحمد أنور السادات نائباً للرئيس، إلى جانب مجموعة من الشخصيات العامة والحقوقية والأكاديمية.
وضم التشكيل أسماء مثل خالد زكريا، هويدا عدلى، مي التلاوى، بكر سويلم، أيمن عقيل، أحمد بدوى بكرى، عزت إبراهيم، وفاء بنيامين، سميرة لوقا، غادة همام، أيمن جعفر، محمد ممدوح، محمود بسيونى، علاء شلبى، سعيد عبد الحافظ، عمرو بركات، إيهاب الطماوى، وأيمن عبد الوهاب، وغيرهم.
وفقاً للتقارير البرلمانية، يتشكل المجلس من رئيس ونائب للرئيس و25 عضواً من الشخصيات العامة المشهود لها بالخبرة والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، ويأتى التشكيل فى إطار ما تصفه الحكومة بـ«إعادة هيكلة» تهدف لتعزيز دور المجلس فى دعم وحماية حقوق الإنسان وترسيخ مبادئ المواطنة وسيادة القانون.
ويُنتظر أن يتعامل المجلس فى دورته الجديدة مع ملفات شائكة، من بينها أوضاع الحبس الاحتياطى، وأوضاع السجون، وحرية الرأى والتعبير، والتشريعات المرتبطة بالفضاء المدنى والجمعيات الأهلية.
ردود فعل رسمية وبرلمانية
الخطاب الرسمى والإعلامى المقرّب من الحكومة قدّم التشكيل الجديد باعتباره «أولوية وطنية» ومحوراً أساسياً فى مسار «الجمهورية الجديدة» و«الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان»، مؤكداً أن المجلس يمثل حلقة وصل بين الدولة والمجتمع فى رصد الانتهاكات وتقديم التوصيات التشريعية.
فى مجلس النواب، ساد اتجاه داعم للتشكيل، حيث تمت الموافقة عليه مع الإشادة بما وصفه نواب بـ«تنوع التركيبة» بين خبرات قانونية وأكاديمية وإعلامية وحقوقية، واعتبار أن وجود شخصيات معروفة بنشاطها فى المجتمع المدنى يمنح التشكيل قدراً من التوازن.
بعض الأصوات البرلمانية ركزت على الدور المنتظر للمجلس فى متابعة تنفيذ التزامات مصر الدولية، وتحسين صورتها فى التقارير الأممية والدولية بشأن أوضاع حقوق الإنسان، خاصة بعد الضغوط التى تعرضت لها القاهرة خلال السنوات الأخيرة.
كما راهنت دوائر رسمية على أن التشكيل الجديد يمكن أن يسهم فى «تخفيف التوتر» مع المنظمات الدولية من خلال آلية حوار أكثر انتظاماً، وملفات بحث مشتركة حول أولويات الإصلاح التشريعى والمؤسسى.
انتقادات حقوقية وتحفظات على الاستقلالية
فى المقابل، قابلت منظمات حقوقية مصرية ودولية التشكيل الجديد بحذر وتحفظ، مستحضرة سجل المجلس خلال السنوات الماضية، وما تراه عجزاً عن القيام بدور فاعل فى مواجهة الانتهاكات الجسيمة.
منظمات مثل «منّا لحقوق الإنسان» و«الجبهة المصرية لحقوق الإنسان» و«لجنة العدالة» كانت قد رحبت سابقاً بقرار خفض تصنيف المجلس من الفئة «أ» إلى الفئة «ب» من قِبل اللجنة الفرعية للاعتماد بالتحالف العالمى للمؤسسات الوطنية، معتبرة أن الخطوة تعكس مخاوف جدية بشأن استقلاليته وفعاليته.
هذه المنظمات ربطت بين أى تشكيل جديد للمجلس وبين ضرورة مراجعة جذور المشكلة، وعلى رأسها طريقة اختيار القيادات والأعضاء، وغياب المشاركة الحقيقية للمجتمع المدنى المستقل فى عملية الترشيح، ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام المجلس بمبادئ باريس الخاصة باستقلال المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
كما أشارت أوراق موقف وتقارير حقوقية إلى أن أداء المجلس خلال دوراته السابقة اتسم بالميل إلى التهدئة وتبرير السياسات الرسمية أكثر من مساءلة السلطات أو تبنى خطاب نقدى واضح، مع غياب تحركات فعّالة بشأن قضايا مثل الاختفاء القسرى والاعتقال التعسفى.
ما بين الرهان الرسمى والشك الحقوقى
يجد التشكيل الجديد نفسه عند نقطة تقاطع بين توقعات رسمية عالية وحدود عملية تضيقها طبيعة البيئة السياسية والقانونية فى مصر؛ فالحكومة تراهن على المجلس كأداة لتحسين الصورة الخارجية وصياغة خطاب «إصلاحى» تدريجى، بينما يشكك حقوقيون فى قدرة أى تشكيل يُختار من خلال مسار رسمى مغلق على تحويل المجلس إلى «منصة مستقلة» بالفعل.
فى الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعى، ظهر تفاعل محدود لكن معبّر؛ قطاع من النشطاء ركز على أسماء بعينها يرى أنها أقرب إلى المؤسسة الرسمية، فى حين رأى آخرون أن وجود بعض الشخصيات ذات الخلفية الحقوقية أو الصحفية قد يفتح هامشاً محدداً للحركة إذا توافرت إرادة داخلية حقيقية.
يبقى التحدى الأكبر أمام المجلس خلال الفترة المقبلة فى قدرته على الانتقال من دور «الوسيط» أو «المبرر» إلى دور «الرقابة والنقد البنّاء»، من خلال تقارير سنوية أكثر شفافية، ومواقف واضحة من قضايا الحريات، والتعامل الجدى مع الشكاوى التى يتلقاها من المواطنين والمنظمات.
وحتى تتضح ملامح هذا التحول، سيظل تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر لعام 2026 ملفاً مفتوحاً للرصد والمتابعة، بين من يراه فرصة لإعادة بناء الثقة مع الجمهور، ومن يعتبره محاولة جديدة لإعادة إنتاج نفس الصيغة القديمة بوجوه جزئية مختلفة.










