واشنطن / طهران – المنشر الاخباري، الأربعاء، 4 مارس 2026
في خضم اشتعال الجبهات وتصاعد وطأة القصف، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، يوم الأربعاء، عن اتصالات سرية غير مسبوقة جرت خلف الكواليس بين طهران وواشنطن، إذ تواصل عناصر من الاستخبارات الإيرانية بشكل غير مباشر مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه”، عارضين فتح باب النقاش حول شروط لوضع حد للنزاع المشتعل منذ فجر السبت الماضي.
وجاء هذا الكشف ليفتح نافذة على عالم الدبلوماسية الخفية في أحلك لحظاتها، حيث الميادين تتحدث بلغة المدافع، والغرف المغلقة تتهامس بلغة التسويات.
اليوم الأول.. والرسالة الصامتة
بحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين مطلعين على تفاصيل الاتصالات، فإنه بعد مرور أقل من أربع وعشرين ساعة على اندلاع شرارة المواجهة العسكرية، وفي حين كانت ألسنة اللهب لا تزال تلتهم المواقع المستهدفة، بادر عملاء تابعون لوزارة الاستخبارات الإيرانية إلى استخدام قنوات غير مباشرة للتواصل مع الجانب الأمريكي.
الرسالة كانت واضحة في مضمونها وإن جاءت ملتوية في أسلوبها: إيران مستعدة للجلوس والحديث عن شروط إنهاء الحرب.
وجاء هذا التواصل الخفي بينما كانت القيادة الإيرانية العلنية تتبنى خطابا رافضا بشكل قاطع لأي مفاوضات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في مشهد يجسد التناقض الصارخ بين ما يقال على الملأ وما يدار في الظل. وهو تناقض يكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها الحكومة الإيرانية في الداخل، وعن حسابات متضاربة تتصارع فيما بينها بحثا عن مخرج.
المشهد الميداني: معارك على أكثر من جبهة
على الصعيد العسكري، تواصلت العمليات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة لليوم الرابع على التوالي، وسط معطيات تشير إلى أن الضربات استهدفت منظومة واسعة من المنشآت الحيوية في عمق الأراضي الإيرانية.
وتمحورت الضربات وفق المصادر الاستخباراتية المتاحة حول عدة محاور رئيسية:
المنشآت النووية وبرامج الصواريخ: تواترت معلومات عن ضربات مكثفة استهدفت مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وكذلك منشآت إنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية التي تعد في نظر واشنطن وتل أبيب ركيزة أساسية في بنية القوة الإيرانية.
منظومات الدفاع الجوي: استهدفت بطاريات الدفاع الجوي الإيرانية بصورة ممنهجة في مرحلة أولى، تمهيدا لفرض سيطرة جوية تتيح تنفيذ موجات متعاقبة من الغارات بأقل قدر من الخسائر.
مقار قيادية وأمنية: طالت بعض الضربات، وفق ما أفادت به مصادر متعددة، مراكز قيادة وسيطرة تابعة للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات، مما أربك منظومة القرار وأوجد فراغات في سلاسل التواصل الداخلي.
البنية التحتية الاستراتيجية: شملت العمليات أيضا ضرب جسور تمويل وإمداد الميليشيات الموالية لطهران في المنطقة، في رسالة واضحة تستهدف قطع شرايين النفوذ الإيراني الممتد من لبنان إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا.
في المقابل، ردت إيران بسلسلة من الهجمات الصاروخية على أهداف في إسرائيل، أسفر بعضها عن أضرار محدودة، فيما اعترضت منظومات الدفاع الإسرائيلية معظمها. كما استنفرت الجماعات الحليفة لطهران في المنطقة، وإن بقي مستوى تدخلها دون التوقعات حتى الساعة.
التشظي في طهران.. قيادة في عين الإعصار
لا تقل أهمية التشظي الداخلي الإيراني عن المعارك الدائرة في الميدان. فقد سلطت صحيفة “نيويورك تايمز” الضوء على حالة من الفوضى وضعف التنسيق التي تعيشها القيادة في طهران، في مشهد يذكر بالارتباك الذي يصيب الجسم المؤسسي في لحظات الصدمة الكبرى.
وأثار العرض الذي قدم عبر جهاز الاستخبارات تساؤلات جدية حول قدرة المسؤولين الإيرانيين على التوصل إلى أي اتفاق فعلي حتى لو أرادوا ذلك، إذ يبدو أن مراكز القرار تتجاذبها تيارات متعاكسة: فريق يرى في التفاوض منفذا ضروريا لوقف النزيف، وفريق آخر يؤمن بأن الصمود وإيلام الخصم هو الورقة الوحيدة المتبقية في اليد.
ويزيد من تعقيد المشهد أن بعض القادة الإيرانيين ما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على إلحاق ضرر عسكري واقتصادي وسياسي بالغ بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، يكفي لإجبارهما على وقف الهجوم والتراجع عن أهدافهما. وهذه القناعة، سواء أكانت مبنية على حسابات واقعية أم على تقدير مبالغ فيه للقدرات الذاتية، تجعل أي تسوية مبكرة أمرا عسيرا.
واشنطن: العرض “غير جدي” والوقت تجاوز الحوار
على الجانب الأمريكية، جاء الرد باردا ومتحفظا، إذ وصف مسؤول بارز في إدارة ترمب العرض الإيراني بأنه “ليس جديا”، مؤشرا إلى أن واشنطن لا ترى فيه سوى مناورة لكسب الوقت أو استطلاع النوايا دون التزام فعلي بتقديم تنازلات حقيقية.
وكان الرئيس ترمب قد صعد لهجته بشكل لافت خلال الساعات الأخيرة، إذ أعلن يوم الثلاثاء أنه “قد فات الأوان لإجراء أي محادثات”، في انقلاب واضح على تصريحاته التي أطلقها قبل أيام حين أكد انفتاحه على مناقشة أي صفقة مع طهران. وفسر المحللون هذا التحول على أنه إما يعكس ضغوطا إسرائيلية ناجحة، أو انطباعا أمريكيا بأن الضربات تسير وفق الخطة ولا داعي للتسرع في أي تسوية.
غير أن الإدارة الأمريكية لا تخلو من توجه براغماتي، يتجلى في تلميح ترمب إلى أنه سيكون مستعدا للسماح للقادة الإيرانيين الباقين على قيد الحياة بالاحتفاظ بنفوذهم الاقتصادي والسياسي في إطار أي تسوية محتملة، وهو ما يشير إلى أن الهدف المعلن ليس بالضرورة إسقاط النظام بالكامل، بل إعادة هيكلة سلوكه الإقليمي والنووي.
إسرائيل: الضغط على واشنطن لتجاهل التواصل
وسط هذه التعقيدات، برز الموقف الإسرائيلي بوضوح تام. فقد نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤولين في الشرق الأوسط ومسؤولين من دولة غربية لم تسم، أن تل أبيب حثت حليفتها الأمريكية على تجاهل الاتصال الإيراني بالكامل وعدم الانجرار إلى أي مسار دبلوماسي قد يوقف الزخم العسكري.
ويكشف هذا الموقف عن عمق التباين في الأجندات بين واشنطن وتل أبيب؛ فبينما قد يكون ترمب منفتحا -تحت ظروف معينة- على صفقة تقيد إيران دون أن تسقط نظامها، فإن إسرائيل تبدو ماضية نحو هدف أبعد وأكثر جذرية: الإجهاز على القدرات العسكرية الإيرانية كاملة، وربما زعزعة استقرار الحكومة في طهران ذاتها.
ما الذي تريده واشنطن من طهران؟
حددت إدارة ترمب سلة مطالب واضحة يرى مسؤولوها أنه لا تسوية بدونها. وتشمل هذه المطالب: تخلي إيران عن برنامجها للصواريخ الباليستية أو تقليصه بصورة جذرية، والتخلي عن برنامجها النووي أو وضعه تحت رقابة دولية صارمة تعدم أي مسار نحو امتلاك سلاح نووي، فضلا عن إنهاء دعمها للجماعات الوكيلة في المنطقة كحزب الله والحوثيين والفصائل العراقية المسلحة.
هذه الشروط تمثل، من وجهة النظر الإيرانية، طلبا بالاستسلام الاستراتيجي الكامل؛ إذ إن هذه البرامج والتحالفات ليست مجرد أوراق ضغط، بل هي في جوهر العقيدة الأمنية الإيرانية منذ عقود. وهنا تكمن الهوة الهائلة بين الطرفين.
سؤال المرحلة: من يملك زمام القرار في طهران؟
تبقى المعضلة الكبرى التي أشارت إليها “نيويورك تايمز” قائمة وتلقي بظلالها الثقيلة على كل السيناريوهات: من يتحدث باسم إيران حقا في هذه اللحظة؟
في الظروف الاعتيادية، كان هذا السؤال يجاب عنه بوضوح نسبي. أما في خضم اليوم الرابع من الحرب، مع ما خلفته الضربات من تشويش على مراكز القرار ومقاتل التواصل، ومع تصاعد حالة الفوضى التي وصفتها مصادر الصحيفة بأنها تعم الأوساط القيادية في طهران، فإن هذا السؤال يصبح وجوديا بكل معنى الكلمة.
فحتى لو توصل المفاوضون الإيرانيون المؤيدون للتسوية إلى صفقة ما، فهل تملك من تبقى من قيادة الحرس الثوري أو بقية أجهزة الدولة الإرادة والقدرة على الإذعان لها والالتزام بشروطها؟ أم أن الحرب ستستمر بمنطق الجمر المتفرق الذي يصعب إطفاؤه حتى بعد توقيع الاتفاقات؟












