الجزائر- المنشر الاخباري| 4 مارس 2026، في مشهد لم يكن كثيرون يتوقعونه، وقفت الجزائر هذه المرة في صف مختلف تماما، لا إلى جانب طهران التي طالما جمعتها بها علاقات دبلوماسية وثيقة وتفاهمات استراتيجية مديدة، بل إلى جانب دول خليجية وعربية طالها الأذى من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
هذا التحول الصامت، الذي رصدته مجلة “جون أفريك” الفرنسية المتخصصة في الشأن الأفريقي والعربي، يستحق وقفة تأمل طويلة، لما يكشفه من تحولات عميقة في حسابات الجزائر الإقليمية، ولما يعكسه من إدراك جزائري جديد لخريطة التحالفات في المنطقة التي تعيد الحرب رسمها من جديد.
موقف يفاجئ المراقبين
بعد ساعات من اندلاع الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأولى على إيران، كان المنتظر من الجزائر ما اعتادت عليه: إدانة صريحة للعدوان، وتضامن معلن مع طهران، وخطاب يحتكم إلى منظومة مبادئها الراسخة المتمحورة حول رفض التدخل الأجنبي والدفاع عن السيادة الوطنية. لكن ما حدث كان مختلفا تماما.
يوم الأحد، استقبل وزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف سفراء الدول العربية التي وصفها بيان وزارة الخارجية بأنها “ضحية اعتداءات عسكرية في سياق موجة التصعيد الحالية في المنطقة”.
وأمام ضيوفه، الذين آثرت الجزائر عدم الكشف عن أسمائهم، أعلن عطاف “التضامن الكامل للجزائر مع الدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهجمات عسكرية”، ورفضها القاطع لـ”أي انتهاك للسيادة الوطنية لهذه الدول الشقيقة، ووحدتها الترابية، وأمن شعوبها”.
الغائب عن البيان كان لافتا بقدر ما كان الحاضر: لا ذكر لإدانة الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي أودت بحياة نحو أربعين مسؤولا إيرانيا كبيرا، ولا كلمة رثاء أو أسف على مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد الذي زار الجزائر مرتين في عامي 2007 و2010.
السياق: إيران تضرب دول الخليج
لفهم هذا التحول، لا بد من استحضار السياق الميداني الذي وقع فيه. فبعد مقتل خامنئي في الضربة الإسرائيلية الأميركية، ردت إيران بشن هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية، مستهدفة القواعد الأمريكية في هذه الدول، لكن الضربات لم تتوقف عند ذلك، بل طالت أحياء سكنية ومصافي نفطية، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار مادية جسيمة.
هذا المعطى الجوهري هو الذي غير معادلة الموقف الجزائري. فلم تعد الجزائر أمام اختيار بين الوقوف مع إيران في مواجهة “العدوان الغربي الإسرائيلي”، بل أمام مشهد مختلف جذريا: إيران تقصف دولا عربية ذات سيادة وتسقط ضحايا في عواصمها. وهنا وجدت الجزائر نفسها في مأزق مبدئي وجيوسياسي في آن معا.
عنصران لافتان في البيان
رصدت “جون أفريك” عنصرين لافتين في البيان الجزائري يستحقان التأمل:
العنصر الأول هو الصمت الجزائري إزاء الضربات الإسرائيلية الأميركية. فرغم أن الجزائر عمقت خلال العقد الأخير علاقاتها بإيران وأيدت برنامجها النووي السلمي، إلا أن الخارجية الجزائرية أحجمت هذه المرة عن أي استنكار صريح للعمليات التي أودت بحياة قيادة إيران.
ويرى المراقبون في ذلك محاولة دبلوماسية مدروسة للحفاظ على حساسية واشنطن ومنع التموضع في خانة المعادين لها في مرحلة بالغة الحساسية.
العنصر الثاني هو غياب أي تعبير عن الأسى على رحيل خامنئي وأحمدي نجاد. وهو صمت ذو دلالة بالغة، إذ إن الجزائر التي استقبلت أحمدي نجاد في زيارتين رسميتين إبان حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ودافعت عن حق إيران في التكنولوجيا النووية، لم تجد في نفسها هذه المرة ما تقوله حيال رحيل حلفاء من هذا المستوى. وهو ما يجسد -بصمت أبلغ من أي كلام- حجم القطيعة المعنوية مع المسار الإيراني.
مقارنة مع يونيو 2025: الخط الذي تجاوزته إيران
للوقوف على عمق هذا التحول، تستدعي “جون أفريك” مقارنة مع ما جرى في يونيو 2025 خلال “حرب الاثني عشر يوما” بين إيران وإسرائيل.
في تلك الجولة، كانت الجزائر صريحة لا تتردد: استنكرت الضربات الإسرائيلية على مواقع عسكرية إيرانية ومسؤولين رفيعين، ورأت أن “العدوان لم يكن ممكنا دون إفلات المعتدي من العقاب”. موقف أقرب ما يكون إلى الدفاع الضمني عن طهران في مواجهة تل أبيب.
اليوم، لا أثر لذلك الموقف. والفارق الجوهري بين المرحلتين يكمن في هدف الضربات الإيرانية: في 2025 ردت إيران على إسرائيل وحدها. أما في 2026، فهي تضرب دولا خليجية عربية بشكل مباشر، وتسقط ضحايا في الكويت والإمارات والسعودية. عند هذا الخط توقفت الجزائر وأعادت النظر في موقفها.
الإمارات: من “مصنع الشر” إلى “الأخت العربية”
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا التحول هو طبيعة الدول التي صادرت الجزائر تضامنها الصريح معها. فوفق “جون أفريك”، شملت الدول المستقبل سفراؤها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لم تكن حتى الأمس القريب في دائرة “الشقيقات” بالنسبة للجزائر.
في مايو 2025، حين أدلى أستاذ جزائري بتصريحات على قناة “سكاي نيوز عربية” شكك فيها في البعد الأمازيغي للهوية الجزائرية، ثارت عاصفة إعلامية وصفت خلالها وسائل الإعلام الجزائرية الإمارات بـ”الدولة الصغيرة ومصنع الشر والفتنة”. كانت العلاقة بين البلدين تمر في أدق مراحل التوتر.
اليوم، وفي اليوم الثالث من اشتعال الحرب، يقف وزير الخارجية الجزائري ليعلن “التضامن الكامل” مع دولة كانت وسائل إعلامه تصفها بالمصطلحات الأكثر حدة قبل أشهر قليلة. وهذا التحول -مهما تكن دوافعه- يكشف عن قدرة الجزائر على إعادة ترتيب أولوياتها بسرعة ومرونة حين تتعرض مصالح عربية حيوية للخطر.
تاريخ متقلب: من القطيعة إلى التحالف
العلاقة الجزائرية الإيرانية ليست تاريخا خطيا بسيطا، بل مسار متعرج من التقلبات الحادة. ففي عام 1993، في أشد سنوات الحرب الأهلية الجزائرية دموية، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران، متهمة إياها بتمويل الجماعات المسلحة وإمدادها بالدعم اللوجستي. وظلت العلاقة في حالة تجمد كامل لسنوات.
التحول الأول جاء مع وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم عام 1999، إذ أعاد إحياء الروابط الدبلوماسية مع طهران وفتح صفحة جديدة تجلت في استقبال الرئيسين خاتمي وأحمدي نجاد، وفي الدفاع المتكرر عن الحق الإيراني في التكنولوجيا النووية السلمية ضمن مبدأ عدم الانحياز الذي تتمسك به الجزائر.
وقبل شهرين فحسب من اندلاع هذه الحرب، التقى الرئيس عبد المجيد تبون بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وجرى الحديث عن زيارة رسمية لطهران لم يحدد لها موعد بعد. وكان مبدأ الزيارة قائما. اليوم، في ضوء ما يجري، يبدو ذلك المبدأ بعيدا عن الجدول الزمني أكثر من أي وقت مضى.
ماذا تريد الجزائر؟
يبقى السؤال الأعمق معلقا: ما الحسابات التي تحرك هذا التحول الجزائري؟
ثمة أسباب متعددة يمكن استحضارها. أولا، الجزائر دولة تعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على عائدات النفط والغاز، وأي اضطراب في أسواق الطاقة جراء استمرار الأزمة يلقي بظلاله على تخطيطها المالي والاقتصادي.
ثانيا، الجزائر دولة جارة لدول المغرب العربي وعمقها الاستراتيجي يمتد نحو إفريقيا جنوب الصحراء، وهي في حاجة إلى علاقات متوازنة مع القوى الغربية والخليجية على حد سواء.
ثالثا، مقتل مدنيين عرب على أيدي صواريخ إيرانية يشكل خطا أحمر لأي حكومة عربية تدعي الالتزام بمبادئ السيادة ووحدة الأرض.
لكن ثمة ما هو أعمق: الجزائر ربما تقرأ في هذه الأزمة فرصة لإعادة تموضعها في الخريطة الإقليمية بعد سنوات من العزلة النسبية والتوترات مع جيرانها العرب. فإذا انتهت الحرب وخرج الخليج من نيرانها، فإن ذاكرة التضامن الجزائري ستكون حاضرة وربما تفتح أبوابا دبلوماسية واقتصادية لم تكن متاحة من قبل.
الحرب تعيد رسم التحالفات
تكشف هذه القراءة الجزائرية للأزمة عن حقيقة راسخة: في السياسة الدولية، لا ثوابت مطلقة، بل مصالح متحركة تعيد الحرب والأزمات الكبرى ترتيبها.
الجزائر التي رفضت لعقود الانحياز لأي محور، وجدت نفسها أمام خيار لم يمنحها ترف الحياد: إما أن تصمت على ضرب دول عربية بصواريخ إيرانية، وإما أن تعلن موقفا لا يحتمل اللبس. اختارت الثاني. وفي هذا الاختيار، ربما تكون قد بدأت فصلا جديدا من تاريخها الدبلوماسي.










