استهداف منشآت عسكرية “استراتيجية ” يثير تساؤلات حول الجهة المنفذة وأهدافها، والحكومة تؤكد أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها
في لحظة إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها الضربات العسكرية مع الحسابات السياسية، يجد العراق نفسه أمام مشهد أمني معقد بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ قصيرة المدى استهدفت مواقع عسكرية تابعة للجيش والمؤسسات الأمنية.
الهجمات، التي طالت مواقع “خالصة” لا ترتبط رسميًا بوجود أجنبي، فتحت باب التساؤلات حول هوية المنفذين، وأهدافهم، وما إذا كانت هذه العمليات تمثل محاولة مدروسة لدفع بغداد إلى الانخراط في صراع إقليمي يتصاعد بوتيرة متسارعة عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.
ضربات تطال البنية الدفاعية
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الاستهداف لم يكن عشوائيًا. فقد تعرض رادار تابع لقيادة عمليات البصرة لضربة بطائرة مسيّرة، في خطوة تمس مباشرة قدرات الرصد والإنذار المبكر للجيش العراقي.
كما استُهدف محيط قاعدة الإمام علي الجوية في الناصرية بمحافظة ذي قار بهجمات مماثلة، دون تسجيل خسائر بشرية، لكنها خلّفت أضرارًا مادية وأثارت حالة استنفار واسعة داخل المؤسسة العسكرية.
وفي بغداد، أعلنت القوات الأمنية إحباط محاولة استهداف مطار بغداد الدولي، بعد ضبط منصة إطلاق تضم تسعة صواريخ كانت معدّة للإطلاق من منطقة أبو غريب، ما يعكس مستوى من التنظيم والتخطيط لا يمكن تجاهله.
هذه الضربات، وإن بدت محدودة من حيث الخسائر، فإنها تمس مفاصل حساسة في البنية الدفاعية العراقية، وتبعث برسائل تتجاوز الأثر العسكري المباشر.
الحكومة بين الحياد والضغوط
في خضم هذا التصعيد، أكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن العراق لن يسمح بزجه في صراعات إقليمية، مشددًا على أن مؤسسات الدولة الدستورية وحدها المخوّلة باتخاذ قرار الحرب والسلم.
هذا الموقف يعكس محاولة رسم خط فاصل بين الدولة وأي تحركات عسكرية خارج إطارها. غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا، في ظل إعلان بعض الفصائل المسلحة تمسكها بخيار “المقاومة” بصورة مستقلة عن موقف الحكومة.
التباين بين الخطاب الرسمي ومواقف بعض الفصائل يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على سيادتها وقرارها المستقل دون الانجرار إلى مواجهة داخلية أو إقليمية؟
احتكاكات داخلية وتداخل السلاح بالاحتجاج
التوتر لم يقتصر على الهجمات الجوية. فقد أعلنت قيادة العمليات المشتركة إصابة عدد من عناصر القوات الأمنية خلال مواجهات قرب الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء، بعدما أطلق مسلحون بين محتجين النار على القوات وأحرقوا كرفانات وعجلة عسكرية.
هذا التطور يثير مخاوف من تزايد تداخل السلاح مع ساحات الاحتجاج، واحتمال استغلال التوتر الشعبي لإشعال بؤر اشتباك داخل العاصمة.
المشهد هنا يتجاوز مجرد حادث أمني؛ إنه يعكس هشاشة التوازن بين الأمن والاحتجاج في ظرف سياسي حساس.
قراءة عسكرية: تصعيد جوي وبالستي محتمل
يرى مراقبون عسكريون أن طبيعة الاستهدافات الأخيرة تشير إلى أن المنفذين يتحركون من داخل الأراضي العراقية، معتمدين على منصات إطلاق متنقلة وطائرات مسيّرة يصعب رصدها مسبقًا.
كما تتزامن هذه التطورات مع تكثيف ضربات إسرائيلية على مواقع مرتبطة بفصائل مسلحة في مناطق غربية من العراق، ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية وأعاد ملف “قواعد الاشتباك” إلى الواجهة.
هذا التداخل بين الضربات الداخلية والضغوط الخارجية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النشاط العسكري الجوي والبالستي، خاصة إذا تحولت الاستهدافات إلى نمط متكرر يستهدف الرادارات والقواعد الجوية.
رسائل سياسية أم تمهيد لمرحلة أخطر؟
يرى باحثون أن استهداف منشآت عسكرية عراقية خالصة يحمل رسالة سياسية واضحة: إظهار الدولة بمظهر العاجز عن حماية مؤسساتها الأمنية، وإرباك المشهد الداخلي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
كما قد تسعى الجهات المنفذة إلى دفع الحكومة نحو خيارات حادة، سواء عبر مواجهة مباشرة مع أطراف داخلية، أو عبر الانخراط في معادلة الصراع الإقليمي الدائر.
وفي حال استمرار هذه الهجمات، قد تُستخدم ذريعة لتوسيع الضربات الجوية داخل العراق، تحت عناوين مختلفة، ما يضع البلاد أمام خطر الانزلاق إلى ساحة تصفية حسابات.
العراق أمام اختبار السيادة
المعادلة اليوم شديدة التعقيد. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى تثبيت خطاب الحياد والسيادة، ومن جهة أخرى، تتكاثر الضغوط الميدانية والسياسية التي قد تقوض هذا التوجه.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستطيع العراق الحفاظ على توازنه وسط هذه العواصف المتقاطعة؟
فالاستهدافات الأخيرة لا تختبر فقط جاهزية الجيش، بل تختبر قدرة الدولة على فرض احتكارها لاستخدام القوة، وضبط إيقاع الفصائل، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة رسائل عسكرية بين أطراف إقليمية.
في ظل هذا المشهد، يبدو الأمن العراقي “على المحك” فعلاً، ليس فقط بسبب الطائرات المسيّرة أو الصواريخ، بل بسبب التحدي الأكبر: الحفاظ على القرار الوطني في زمن التصعيد المفتوح.










