مع تصاعد التهديدات الإقليمية، أعلنت عدة دول أوروبية استعدادها للتدخل العسكري لحماية قبرص، في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية الكبرى
بروكسل- المنشر الإخباري
في تطور لافت في شرق البحر الأبيض المتوسط، أعلنت مجموعة من الدول الأوروبية، بقيادة فرنسا، استعدادها لتقديم دعم عسكري لقبرص بعد تعرض قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني لهجوم بطائرة مسيرة يوم الاثنين الماضي. الهجوم الذي طال أحد أهم المرافق العسكرية في الجزيرة أثار قلقاً واسعاً لدى السلطات القبرصية، في وقت لم تصل فيه المدمرة البريطانية “إتش إم إس دراغون” المخصصة لحماية القاعدة، ما دفع بمسؤولين محليين إلى انتقاد تأخر الوصول واتهام لندن بتقليل مستوى الالتزام تجاه حماية الجزيرة.
فقد سارعت فرنسا إلى إرسال حاملة طائراتها النووية الرائدة “شارل ديغول” إلى المنطقة، لتوفير قدرات دفاع جوي متقدمة، فيما أعلنت إيطاليا وهولندا وإسبانيا عن خطط لإرسال فرقاطات وطائرات مسلحة، جميعها مجهزة للتعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى. وتأتي هذه التحركات بعد يوم واحد من استهداف قاعدة أكروتيري، ما يعكس استعداد الأوروبيين لتحمل مسؤولياتهم في حماية الجزيرة، خصوصاً في ظل تزايد الهجمات الإيرانية في المنطقة وامتداد المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
زيارة وزير الدفاع البريطاني وجهود التهدئة
مع تأخر وصول المدمرة البريطانية، قام وزير الدفاع البريطاني جون هيلي بزيارة عاجلة إلى قبرص، في محاولة لتخفيف حدة الانتقادات وضمان التهدئة. وأكد هيلي أن بلاده ملتزمة بحماية المصالح البريطانية والقبارصة في الجزيرة، مشيراً إلى أن المدمرة ستصل في أقرب وقت ممكن، بينما وصلت بالفعل فرقاطات يونانية وفرنسية، إضافة إلى مروحيات “وايلدكات” المزودة بقدرات مضادة للطائرات المسيّرة.
وفي تصريحات أدلى بها هيلي خلال زيارته، قال: “لدينا وجود للقوات اليونانية في الجزيرة، إضافة إلى وصول فرقاطات وأربع طائرات مجهزة بتقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة. والقوات الفرنسية قادمة، لذا نتوقع على الأقل وجود القوات البريطانية، لأن مهمتنا لا تتوقف عند حماية القبارصة فقط.”
ويبدو أن هدف لندن من هذه الزيارة هو إرسال رسالة واضحة لحلفائها الأوروبيين والقبارصة على حد سواء، مفادها أن المملكة المتحدة ملتزمة بحماية مصالحها في شرق المتوسط، رغم التأخر اللوجستي الذي تعرضت له المدمرة البريطانية، وهو ما يعكس الضغوط السياسية والعسكرية التي تواجهها لندن في ظل الأزمة الحالية.
موقف إسبانيا: حماية قبرص مع رفض الضربات على إيران
في الوقت نفسه، حافظت إسبانيا على موقف حازم ومتفرد، إذ أعربت عن استعدادها للمساعدة في حماية قبرص عبر إرسال فرقاطة “كريستوبال كولون” إلى البحر المتوسط، لكنها رفضت أي مشاركة في الضربات العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية على إيران، متمسكة بموقفها الرافض للحرب.
وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده لا تسمح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها العسكرية في الأراضي الإسبانية للعمليات ضد إيران، مشيراً إلى أن موقف مدريد لم يتغير وأنها تسعى دائماً لحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية والتفاوضية بعيداً عن التصعيد العسكري.
وقد أثار هذا الموقف غضب البيت الأبيض، الذي هدد بإجراءات اقتصادية ضد إسبانيا، بما في ذلك قطع العلاقات التجارية في حال رفضت التعاون. ومع ذلك، صرح وزير الخارجية الإسباني خوسيه لويس ألباريس بأن موقف بلاده ثابت ولن يتغير، وأن دعم قبرص يتم في إطار الدفاع الأوروبي وليس بأي شكل من الأشكال كجزء من العمليات العسكرية ضد إيران.
فرنسا وإيطاليا: دعم عسكري شامل ومرونة في التعامل مع الطائرات المسيّرة
على النقيض من موقف إسبانيا، أعلنت فرنسا وإيطاليا عن استعداد شامل لدعم قبرص على الأرض والجو والبحر. فرنسا نشرت حاملة طائراتها النووية “شارل ديغول”، مزودة بأنظمة دفاع جوي حديثة، بينما تعمل إيطاليا على تعزيز قدراتها الدفاعية عبر إرسال فرقاطات وطائرات مجهزة لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى، إضافة إلى وحدات حماية للمدنيين.
وأكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن هدف إيطاليا هو حماية الجنود والمواطنين الإيطاليين المنتشرين في المنطقة، مؤكدة في الوقت ذاته أن بلادها لا تسعى لخوض حرب، لكنها ستتخذ كل الإجراءات الضرورية لضمان أمن مواطنيها وحماية المصالح الأوروبية في شرق المتوسط.
وتشير المصادر إلى أن التحركات العسكرية الأوروبية تهدف إلى ضمان استقرار قبرص، بينما تعمل واشنطن ولندن على ترتيب وصول التعزيزات العسكرية البريطانية، بما في ذلك المدمرة التي تأخرت لعدة أيام، في خطوة تهدف إلى دعم الردع المتعدد الجنسيات أمام أي تهديد إيراني محتمل.
التحديات العسكرية: الطائرات المسيّرة والتهديدات الإيرانية
تعكس الأزمة الأخيرة في قبرص التحديات الكبيرة التي تواجه القوات الأوروبية، خصوصاً فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة الإيرانية منخفضة الكلفة، والتي أثبتت فعاليتها في استهداف المنشآت العسكرية، كما حدث في قاعدة أكروتيري. الدول الأوروبية، خصوصاً فرنسا وإيطاليا، تعمل على تجهيز وحداتها بأسلحة وتقنيات متقدمة للتصدي لهذه الطائرات، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى وأنظمة التشويش الإلكتروني.
ويشير محللون إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة يمثل تحدياً اقتصادياً وعسكرياً كبيراً، إذ تضطر الدول الأوروبية إلى استخدام صواريخ ومعدات باهظة الثمن للتصدي لطائرات رخيصة، ما قد يؤدي إلى استنزاف الموارد إذا استمر الهجوم لفترة طويلة.
الموازنة بين التحرك العسكري والدبلوماسي
في ظل هذه التطورات، تحاول الدول الأوروبية تحقيق توازن بين التحرك العسكري السريع لحماية قبرص والحفاظ على موقف دبلوماسي متوازن، خصوصاً مع تأخر المدمرة البريطانية ورفض بعض الدول المشاركة في الضربات على إيران. فرنسا وإيطاليا وهولندا تقدم دعماً ملموساً على الأرض والجو والبحر، بينما تحافظ إسبانيا على موقفها الرافض لأي تصعيد.
ويبدو أن هذه الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي ستستمر في التأثير على صياغة السياسات الدفاعية في شرق المتوسط، خصوصاً إذا تصاعدت الهجمات الإيرانية أو استمرت الضربات الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.
حماية المدنيين والحد من التصعيد
مع وصول التعزيزات الأوروبية، من المتوقع أن يتم التركيز على حماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية في قبرص، بما يشمل الموانئ العسكرية والمدنية، والحقول النفطية المحتملة، والمرافق العامة. وتعمل فرنسا وإيطاليا على نشر قوات ومدرعات وأنظمة دفاع جوي، فيما تنتظر قبرص وصول المدمرة البريطانية لتكتمل منظومة الدفاع، في محاولة لتفادي أي تصعيد محتمل قد يؤدي إلى مواجهة أوسع.
كما تسعى الدول الأوروبية إلى التنسيق مع قبرص واليونان لضمان إدارة فعالة لأي أزمة، بما يشمل خطط إجلاء المدنيين وتوفير حماية للجنود والمدنيين الأوروبيين في الجزيرة.
أزمة قبرص محورية في شرق المتوسط
في المحصلة، تعكس الأزمة الأخيرة في قبرص مزيجاً من الضغوط العسكرية والدبلوماسية، حيث تتصاعد التحركات الأوروبية المتعددة الجنسيات لحماية الجزيرة في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة الإيرانية، في الوقت الذي يحافظ فيه بعض الحلفاء على موقف متوازن يرفض أي تصعيد عسكري.
تظل قبرص، بموقعها الاستراتيجي في شرق المتوسط، محوراً حيوياً للعمليات العسكرية والدبلوماسية الأوروبية، وسط تحديات تأخر التعزيزات البريطانية، والانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، والتصعيد الإيراني المستمر، مما يجعلها نقطة حرجة في خريطة التوترات الإقليمية الحالية.











