ينتهى مسلسل «كان ياما كان» بحلقة أخيرة مشحونة إنسانيًا تضع الطفلة فرح في قلب معركة الحضانة، وتترك مصير الأسرة مفتوحًا أمام خيال المشاهد، في خاتمة واقعية ومؤلمة في آن واحد.
يدور المسلسل حول داليا ومصطفى بعد 15 عامًا من الزواج، حين تضرب أزمة منتصف العمر استقرار البيت وتقرر الزوجة طلب الطلاق فجأة بحثًا عن حياة مختلفة تعيد لها الإحساس بالحياة
تتحول الخلافات الأسرية من جدران الشقة إلى ساحات المحاكم بعد أن تحرم داليا طليقها من رؤية ابنتهما فرح، لتبدأ حرب استنزاف نفسية وقانونية عنوانها الحضانة ووقودها مشاعر أب وأم مكسورين.
خلال الحلقات تتسع دائرة الصراع بدخول أشخاص جدد في حياة داليا، فتشتعل غيرة مصطفى ويتحوّل تمسّكه ببيته إلى معركة عناد، فيما تصبح فرح ساحةً لتصفية الحسابات أكثر من كونها طفلة تحتاج إلى حضن مطمئن.
ومع اقتراب النهاية، لا يخرج أحد من الشخصيات منتصرًا بالكامل؛ فكل قرار يدفع ثمنه الطرفان ومعهما الابنة التي تتلقى وحدها ارتداد هذه المعركة على نفسيتها.
بداية الحلقة الأخيرة: اتهام يقلب الطاولة
تبدأ الحلقة الخامسة عشرة، والأخيرة، بتصعيد حاد حين تتهم داليا طليقها مصطفى بخطف ابنتهما، في خطوة مفاجئة تحوّل الخلاف من مساحة العتاب الشخصي إلى أزمة جنائية تنتهي بالقبض عليه في مشهد صادم.
هذا الاتهام لا يظهر فقط كمناورة قانونية، بل يعكس حجم الاحتقان الذي وصل إليه الطرفان، بعدما تحوّل الخوف على فرح إلى سلاح يستعمله كل منهما ضد الآخر.
ينقلنا هذا الحدث سريعًا إلى أروقة المحكمة، حيث يتقدّم مصطفى بدعوى حضانة بعد بلوغ ابنته سن الخامسة عشرة، وهو السن الذي يمنح الطفل قانونيًا مساحة لاختيار الطرف الذي يريد العيش معه.
هنا يعيد المسلسل تعريف الصراع؛ فبدل أن يكون بين زوجين، يصبح بين أب وقانون، وأم وضمير، وطفلة تحاول أن تلتقط أنفاسها بين نصوص جامدة ومشاعر متضاربة.
مشهد المحكمة: فرح تقول كل شيء وتختار
لا اختيارالمشهد الأبرز في الحلقة يدور داخل قاعة محكمة الأسرة، حيث تصعد الطفلة فرح لتقف أمام القاضي، فيما يترقب والداها كل كلمة يمكن أن تحسم حياتهما وحياتها.
بعينين غارقتين في الدموع وصوت مهزوز، تحكي فرح كيف كانت حياتها قبل الانفصال، وكيف كانت تشعر بالأمان حين يجتمع الأب والأم تحت سقف واحد قبل أن يتحول البيت إلى ساحة خلاف دائم
تقول فرح للقاضي إنها تشعر بالسعادة مع والدتها التي تمنحها الحنان، وبالراحة مع والدها الذي يشاركها مشاهدة المباريات ويمنحها مساحة من الحرية، لتكشف جملة واحدة عمق مأزقها: هي لا تريد أن تختار بينهما لأنها تريدهما معًا.
في هذه اللحظة، يتحوّل الصمت في القاعة إلى مرآة لصمت المشاهدين، الذين يجدون أنفسهم أمام مشهد لا يدور حول القانون بقدر ما يدور حول حالة طفل عالق بين عالمين لا يستطيع أن يفرّط في أيهما.
قرار لا يُعلن ونهاية بلا نقطةبدل أن يقدّم صناع العمل نهاية حاسمة توضح إذا كانت فرح ستعيش مع الأم أو مع الأب، يختار المسلسل أن يترك قرارها معلّقًا، فلا يسمع المشاهد حكم القاضي ولا يعرف إلى من ستذهب الحضانة.
تبدو الخاتمة أقرب إلى تعليق إنساني على القضية منها إلى حل درامي؛ فهي تقول إن معاناة الأطفال في نزاعات الطلاق لا تنتهي بتوقيع حكم، بل تستمر كجرح مفتوح في النفس مهما حسمت الأوراق الرسمية.
هذا الاختيار الدرامي يمنح النهاية بعدًا واقعيًا؛ فالكثير من قصص الطلاق تبقى دون «نهاية سعيدة» واضحة، ويظل الأطفال في منطقة رمادية بين حبّين وبيتَيْن ومحكمتين.
لذلك تركت الحلقة الأخيرة جمهورها أمام سؤال مفتوح: هل حق الطفل في العائلة أكبر من حق أي طرف من الوالدين في الانتصار القانوني؟
الأثر الإنساني ورسالة العمل
ركزت الحلقة الأخيرة على الوجه النفسي لمعركة الحضانة، ليس فقط من خلال دموع فرح، بل عبر نظرات مصطفى المكسور وهو يواجه احتمال خسارة ابنته، وملامح داليا الممزقة بين دفاعها عن نفسها وبين إحساسها بالذنب تجاه طفلتها.
يبرز العمل كيف تتحول الطفلة إلى «ملف قضية» في حين أنها في الحقيقة قلب المعركة، وأن أي قرار صادر لا يوقف الأسئلة التي تراودها ليلًا عن الماضي والمستقبل ومسؤولية كل طرف.
ينتمي «كان ياما كان» لفئة الأعمال القصيرة ذات الإيقاع المكثّف، إذ يتكوّن من 15 حلقة فقط، وهو ما جعل الحلقة الأخيرة تتكثّف فيها كل خيوط الحكاية ورسائلها الاجتماعية عن الطلاق وأثره على الأبناء.
وبخاتمة مفتوحة، ينجح المسلسل في دفع النقاش خارج الشاشة إلى بيوت تشبه بيت داليا ومصطفى، حيث يظل السؤال معلّقًا: من يحمي قلوب الأطفال حين تتحول بيوتهم إلى ملفات في المحاكم؟










