وكالةالقاهرة- المنشر الاخباري، 6 مارس 2026 في خضم التصعيد العسكري المتواصل الذي تشهده المنطقة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما خلفته من هجمات إيرانية طالت دول الخليج العربي، تتحرك مصر بهدوء حثيث على خط دبلوماسي متصاعد، يرجح أن يكون النواة الأولى لدور وساطة أوسع تسعى القاهرة إلى الاضطلاع به لوقف الانزلاق نحو كارثة إقليمية شاملة.
اتصالان في يوم واحد.. رسالة مكثفة
أجرى وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي، يوم الجمعة السادس من مارس الجاري، اتصالين هاتفيين متتاليين؛ الأول مع وزير خارجية البحرين الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، والثاني مع رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في مؤشر على أن القاهرة تتحرك بإيقاع متسارع لاستيعاب حجم التداعيات وصياغة موقف عربي جامع.
وأكد المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية السفير تميم خلاف أن الاتصالين تناولا تداعيات الهجمات التي طالت البحرين وقطر وسائر دول الخليج، فضلا عن الأردن والعراق وغيرهما من الدول الشقيقة، حيث حرص عبد العاطي على تأكيد التضامن المصري الكامل وإدانة الاعتداءات، مع التحذير الصريح من “العواقب الوخيمة لاستمرار التصعيد العسكري الراهن”.
الأمن القومي الخليجي.. خط مصري أحمر
لم يكتف الوزير عبد العاطي بالإدانة الروتينية، بل أرسى مبدأ سياسيا واضحا حين شدد على أن “الأمن القومي الخليجي والعربي يمثل ركيزة أساسية لا تتجزأ من الأمن القومي المصري”.
وهذه الصياغة ليست مجرد كلام دبلوماسي، بل هي رسالة موجهة في آن واحد إلى طهران ودول الخليج وواشنطن، مفادها أن القاهرة لن تقف متفرجة على ما يجري لأشقائها، وأن أي مساس بأمن دول الخليج يعد تهديدا مباشرا لمصر ذاتها.
وفي السياق ذاته، أعلن الوزير رفضا قاطعا لـ”أي ذرائع أو مبررات لانتهاك سيادة الدول الشقيقة أو المساس بأمنها ومقدرات شعوبها”، في إشارة لا تخطئها العين إلى رفض المنطق الإيراني الذي يقدم هجماته على أنها رد دفاعي مشروع في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
الدوحة تثمن.. والرسالة تصل
في الاتصال مع قطر، كان اللافت أن رئيس الوزراء القطري ووزير خارجيتها “ثمن موقف مصر الداعم والمتضامن في هذا الظرف الدقيق”، وهو توصيف يتجاوز المجاملة الدبلوماسية المعتادة، ليشير إلى أن الدوحة تحتاج فعلا إلى غطاء عربي واسع في هذه اللحظة الحرجة، بعد أن طالت الهجمات الإيرانية منشآتها الحيوية بما فيها مجمع رأس لفان، عصب صناعة الغاز المسال القطرية.
وتحمل رسالة مصر إلى قطر أهمية مضاعفة، إذ تعيد الدفء إلى علاقات شهدت فتورا ملحوظا في مراحل سابقة، وتؤسس لتنسيق عربي أشمل في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
هل تملك مصر مفاتيح الوساطة؟
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على المشهد: هل تستطيع مصر فعلا أن تجسد دور الوسيط بين طهران ودول الخليج، في ظل حرب تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى وتتعقد خيوطها؟
تمتلك القاهرة جملة من المقومات التي تؤهلها لهذا الدور. فهي تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متعددة في المشهد الإقليمي، وتتمتع بمصداقية كوسيط تاريخي في النزاعات العربية، كما أنها ليست طرفا في الحرب ولا تحمل أجندات تصادمية مع أي من أطراف النزاع الرئيسية.
غير أن ثمة تحديات جوهرية تقف في طريق أي دور وساطة مصري، فطهران تعتبر نفسها في مواجهة وجودية مع واشنطن وتل أبيب، ولن تقبل بسهولة أن توقف هجماتها على دول الخليج مقابل وعود دبلوماسية.
كما أن دول الخليج ذاتها تجد نفسها في موقف حرج بين شريان طاقتها الذي تضربه إيران وتحالفاتها الاستراتيجية مع واشنطن التي تقود الحرب.
منع الجر نحو الهاوية
في قلب الموقف المصري هدف استراتيجي واضح: منع جر دول الخليج إلى مشاركة مباشرة في الحرب ضد إيران.
فالقاهرة تدرك جيدا أن انخراط الخليج عسكريا في المواجهة سيحول المنطقة بأسرها إلى بركان متفجر، ويفتح أبواب جهنم على ملايين العرب بتداعيات لا يمكن احتواؤها.
ولهذا جاء طلب الوزير عبد العاطي صريحا وحازما بـ”الوقف الفوري لكافة العمليات العسكرية للحيلولة دون خروج الأوضاع الأمنية عن السيطرة”، وهو طلب موجه ضمنيا إلى جميع الأطراف دون استثناء، بمن فيهم من لا تسميهم القاهرة بالاسم.
دور يتشكل في الصمت
لا تعلن مصر رسميا أنها تضطلع بدور الوساطة، لكن تحركاتها الدبلوماسية المتسارعة تقول ما لا تقوله التصريحات. فاتصالان في يوم واحد، وخطاب يجمع التضامن مع الإدانة مع التحذير مع الدعوة للوقف الفوري، كل ذلك يرسم صورة دولة تضع نفسها في موقع اللاعب الفاعل لا المتفرج السلبي.
والمشهد الإقليمي الملتهب بحاجة ماسة إلى صوت عربي رصين يمكنه التحدث إلى الجميع دون أن يكون طرفا ضد أحد. وإذا كان ثمة دولة عربية مؤهلة لهذا الدور في هذه اللحظة الفارقة، فإن الأصابع تتجه في معظمها نحو القاهرة.










