الولايات المتحدة تستثمر في الأزمة: أرباح قياسية متوقعة لشركات الدفاع والطاقة وسط صعود أسعار النفط والغاز بعد تصعيد الصراع
واشنطن – المنشر الإخباري
تشهد الولايات المتحدة مرحلة استثنائية من إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية، في أعقاب الحرب على إيران. فبينما تستمر العمليات العسكرية والتوترات في مضيق هرمز، يستفيد الاقتصاد الأمريكي عبر قطاعين رئيسيين: الدفاع والطاقة. شركات تصنيع الأسلحة تشهد طلباً غير مسبوق على الذخائر والطائرات المتقدمة، بينما ترتفع أسعار النفط والغاز بفعل تعطّل خطوط الشحن العالمية.
المراقبون يؤكدون أن واشنطن استغلت الأخطاء والتردد الإيراني لصالحها، محوّلة أي تصعيد محدود في المنطقة إلى فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها، وإعادة توجيه السيولة نحو القطاعات الأكثر استفادة من الصراع، مع إعادة تسعير المخاطر في الأسواق المالية العالمية.
صناعة الدفاع الأمريكية: إعادة التسليح في زمن الحرب
أسهم شركات مثل لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان وبلانتير آر تي إكس سجلت ارتفاعات قياسية منذ بداية الحرب، في انعكاس مباشر للطلب المتزايد على أنظمة الدفاع والذخائر. أغلق سهم لوكهيد مارتن عند مستوى قياسي تجاوز 676 دولاراً، فيما ارتفع سهم نورثروب غرومان نحو 6%، وسط توقعات بارتفاع أرباح هذه الشركات بين 15% و20% لعام 2026، مع احتمالية وصول قفزة أرباح فصلية إلى نحو 40% في الربع الثاني نتيجة تسريع العقود لتعويض المخزونات المستهلكة.
ويشير الخبير الاقتصادي مهند علوان إلى أن هذه القفزات ليست صدفة، بل تعكس مرحلة “إعادة التسليح” الأمريكية، حيث تتسارع خطوط الإنتاج لمواجهة أي نقص في الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المتقدمة، إضافة إلى تكامل الذكاء الاصطناعي في المعدات الحديثة، مما يمنح الصناعات الدفاعية زخماً إضافياً في الأسواق العالمية.
التفاوت الكبير في تكلفة الحرب: المسيّرات الإيرانية مقابل الصواريخ الأمريكية
التباين واضح بين تكلفة الطرفين: إيران تنتج نحو 5 آلاف مسيرة شهرياً بتكلفة 50 ألف دولار لكل واحدة، فيما يصل سعر الصاروخ الاعتراضي الأمريكي من نوع باتريوت إلى 4 ملايين دولار، و12.8 مليون دولار للصاروخ من نوع ثاد. هذا الفرق الهائل في الكلفة يجعل المعادلة الاقتصادية مع إيران غير متكافئة، ويؤكد أهمية الإنتاج المحلي الأمريكي لتعويض النقص في المخزون، مع الحفاظ على التفوق التكنولوجي في الدفاع الجوي.
ارتفاع أسعار النفط والغاز: الأزمة تغذي أرباح الطاقة
في قطاع الطاقة، أدى التوتر في مضيق هرمز إلى ارتفاع خام برنت إلى حوالي 85 دولاراً للبرميل، فيما بلغ الغاز الأوروبي أعلى مستوياته منذ عام 2023. توقف عمليات تسييل الغاز في قطر، التي تمثل نحو 20% من السوق العالمي، ساهم في تصاعد الأسعار سريعاً، ما أعطى شركات الطاقة الأمريكية فرصة لإعادة توجيه شحناتها واستغلال الأسعار المرتفعة.
ويشير الخبراء إلى أن المكاسب في قطاع الطاقة مرتبطة أساساً بإعادة تسعير المخاطر، وليس زيادة الطلب الفعلي، وأن أي عودة سريعة لمضيق هرمز قد تقلل من المكاسب القصيرة الأجل، لكنها ستظل قائمة بسبب علاوة المخاطر وأسعار التأمين البحري.
العمالة والاستثمار: ارتفاع الطلب على الوظائف الدفاعية
شهدت الولايات المتحدة زيادة كبيرة في الطلب على الوظائف في قطاع الدفاع والتصنيع العسكري، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ حرب الخليج، ما يشير إلى إعادة هيكلة للقدرات الإنتاجية لتلبية الطلب الطارئ على الذخائر والطائرات. المراقبون يتوقعون أن يمتد الاستثمار بشكل أكبر نحو التكنولوجيا العسكرية، خصوصاً إذا تم تخفيف بعض القيود التنظيمية على الإنتاج العسكري، وهو ما يحدث عادة في أوقات النزاعات الكبرى.
التأثير على الأسواق المالية: إعادة تسعير المخاطر
ارتفاع أسعار الطاقة وازدياد الطلب على أسواق الدفاع دفع المستثمرين إلى إعادة توجيه السيولة نحو القطاعات الأكثر استفادة، فيما ارتفع مؤشر التقلبات “VIX” ليعكس مستوى القلق وعدم اليقين في الأسواق. هذا الاندفاع نحو الأسهم الدفاعية والطاقة يعكس إدراك المستثمرين بأن بيئة التوتر الجيوسياسي توفر أرباحاً قصيرة الأجل، لكنها لا تعكس بالضرورة انتعاشاً اقتصادياً شاملاً.
السيناريوهات المستقبلية للحرب: ماذا ينتظر الأسواق؟
المراقبون العسكريون والاقتصاديون يشيرون إلى أن الحرب قد تستمر بعدة مسارات:
1. تصعيد محدود مدروس: يقتصر على ضرب أهداف محددة لتعزيز النفوذ الأمريكي دون الدخول في مواجهة شاملة.
2. حرب بالوكالة: الاستعانة بحلفاء إقليميين لتنفيذ عمليات محدودة ضد أهداف إيرانية.
3. عمليات جوية وبحرية استراتيجية: لضرب البنية التحتية الحيوية لإيران وإعادة رسم خرائط القوة دون حرب برية كاملة.
4. المسار الدبلوماسي المضاد: تسهيل مفاوضات محدودة مع إبقاء إيران تحت ضغط سياسي مستمر، واستغلال أي أخطاء لمزيد من المكاسب الأمريكية.
مكاسب مشروطة: الفائدة الاقتصادية ليست شاملة
على الرغم من الأرباح القياسية للشركات، فإن الأثر الاقتصادي الإجمالي على الولايات المتحدة محدود. ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضغط على المستهلكين ويقلل من الإنفاق الشخصي، ما يوضح أن المكاسب القطاعية الكبرى لا تعكس انتعاش الاقتصاد ككل، بل إعادة توزيع للأرباح والمخاطر بين الشركات والأفراد.
توضح الأزمة أن واشنطن استفادت من الحرب على إيران ليس فقط لتحقيق أهداف عسكرية واستراتيجية، بل لتعزيز أرباح شركات السلاح والطاقة، وتوجيه الاستثمارات بشكل يعزز السيطرة على الأسواق. في المقابل، يظل تأثير هذه الحرب على الاقتصاد الأمريكي الكلي محدوداً، فيما تظل المخاطر الجيوسياسية عاملاً محفزاً لإعادة تسعير الأسواق والموارد المالية.












