هشاشة الاستراتيجيات التقليدية تكشف حدود حماية القواعد الأجنبية في مواجهة التهديدات الإيرانيه
واشنطن – المنشر الإخبارى
تشهد منطقة الخليج تحولات استراتيجية غير مسبوقة، إذ باتت القواعد العسكرية الأجنبية، التي اعتُبرت لعقود الدرع الواقية للأمن الإقليمي، محور تساؤلات حادة حول جدواها وقدرتها على حماية المصالح الوطنية في مواجهة التهديدات المتصاعدة، خصوصاً من إيران. فبين صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة تصل إلى أعماق الأراضي الخليجية، لم يعد الحديث عن الاعتماد الكامل على القوى الأجنبية منطقياً. الواقع الميداني يكشف هشاشة الاستراتيجيات التقليدية، حيث تتحول القواعد الأميركية أو أي تواجد أجنبي إلى هدف محتمل أكثر من كونها صمام أمان.
من حماية إلى عبء استراتيجي
في بداية نشرها، كانت قواعد القوات الأميركية والغرب في الخليج تمثل الدرع الواقي للسيادة الوطنية، بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وإنشاء قواعد مثل العديد في قطر وغيرها من المنشآت الحيوية في المنطقة. لكن اليوم، تواجه هذه القواعد تهديدات متطورة تجعلها عبئاً استراتيجياً على العواصم الخليجية، بدل أن تكون أداة حماية.
قدرات إيران المتنامية، التي تشمل ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، جعلت أي قاعدة أجنبية هدفاً محتملاً. وقد أظهرت التجارب الميدانية الأخيرة أن الردود الأميركية غالباً ما تكون محدودة التأثير، ما يزيد شعور الانكشاف لدى العواصم الخليجية ويثير قلقاً متصاعداً حول فعالية استراتيجية “الحماية الأجنبية”.
الانكشاف الأمني وتكلفة الاعتماد الخارجي
لم تعد الفكرة القائلة بأن وجود القوات الأجنبية يضمن الأمن مطمئنة، بل أصبحت مكلفة على المستويين المالي والسياسي. تقارير عديدة تشير إلى أن العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة، سواء ضد إيران أو على حدودها، تكلف مليارات الدولارات سنوياً، إضافة إلى العواقب السياسية والشعبية التي تتعرض لها الدول الخليجية.
الولايات المتحدة تروج لفكرة “الحماية المتبادلة”، لكن الواقع يظهر أن التكلفة الاقتصادية والسياسية كبيرة للغاية، وأن أمن الدول الخليجية أصبح رهناً بالقرارات الأميركية، وليس بسياسات مستقلة. هذا الواقع دفع العديد من صناع القرار في المنطقة للتفكير بجدية في بناء قدرات دفاعية ذاتية، بعيداً عن الاعتماد على الحماية الأجنبية.
تهديدات إيرانية متصاعدة
الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية تمثل أكبر تحدٍ للقواعد الأجنبية، إذ يمكنها الوصول إلى عمق الأراضي الخليجية بدقة عالية، مستهدفة مواقع استراتيجية وقواعد عسكرية مهمة. وفي ظل تصاعد هذا التهديد، بدأت بعض العواصم الخليجية تشعر بأن وجود القواعد الأجنبية لا يوفر سوى حماية نسبية، بينما يظل سكان المنطقة والمدن الساحلية مستهدفين بشكل مباشر.
هذا الانكشاف الأمني دفع إلى إعادة تقييم دور الحماية الأجنبية، وإلى التساؤل حول ما إذا كانت السياسات السابقة قد أدت إلى تراجع مكانة الدول الخليجية في صنع القرار الإقليمي، وجعلتها رهينة لمصالح القوى الأجنبية، خاصة الولايات المتحدة.
البحث عن الاستقلالية الدفاعية
في مواجهة هذه التهديدات، بدأت بعض العواصم الخليجية تبحث عن بدائل أكثر استقلالية. وتشمل هذه البدائل تطوير نظم الدفاع الجوي المحلية، تعزيز قدرات الرصد والاستخبارات، وتوسيع التعاون الإقليمي بين دول الخليج في مجالات الدفاع والاستجابة السريعة.
التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن الاعتماد على الذات أصبح ضرورة حتمية، إذ أن أي نزاع محتمل لن يقتصر على المواجهات التقليدية، بل سيتضمن حروباً غير تقليدية، بما في ذلك الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن الاعتماد على قوات أجنبية يحد من سرعة الاستجابة ويزيد من مخاطر سقوط أهداف استراتيجية.
دروس من التجارب السابقة
الخبراء العسكريون يشيرون إلى أن التجربة العراقية والسورية واليمنية أظهرت حدود فعالية الاعتماد على القواعد الأجنبية. ففي كثير من الحالات، لم تتمكن القوات الأجنبية من منع الهجمات على المنشآت الحيوية، كما أن أعداد القوات والقدرات اللوجستية لم تكن كافية لتغطية كافة النقاط الساخنة.
تلك التجارب جعلت العواصم الخليجية تدرك أن الاعتماد الكلي على القوة الأجنبية قد يحول دون تطوير القدرات المحلية، ويجعل السياسات الدفاعية رهينة للأجندات الخارجية. بالتالي، أصبح هناك اتجاه واضح نحو التركيز على بناء قوة دفاعية مستقلة، بما يشمل صواريخ أرض-جو محلية، أنظمة رادار متقدمة، وتدريب وحدات قتالية خاصة.
الفجوة بين الأمن السياسي والأمني
إلى جانب التحديات العسكرية، هناك فجوة واضحة بين الأمن السياسي والأمني. فالاعتماد على القوى الأجنبية يمنح شعوراً بالأمان السياسي على المدى القصير، لكنه يضعف القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، ويخلق حالة من الانكشاف أمام التهديدات الإقليمية.
هذا الانكشاف دفع بعض الدول الخليجية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الخارجية، والسعي لتطوير تحالفات إقليمية أقوى، قد تشمل التعاون الدفاعي بين دول الخليج نفسها، بعيداً عن أي تدخل أجنبي مباشر.
نهاية عصر الدرع الأجنبي؟
الواقع الاستراتيجي في الخليج يشير إلى أن عصر الاعتماد على القواعد الأجنبية قد يكون في نهايته. القواعد لم تعد الدرع المنيع الذي يوفر الحماية الكاملة، بل أصبحت أهدافاً محتملة، في وقت يتطلب تعزيز السيادة الدفاعية والاستقلالية الأمنية.
العواصم الخليجية أمام مفترق طرق: إما استمرار الاعتماد على الحماية الأجنبية، مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر مالية وسياسية، أو تطوير قوة دفاعية محلية متكاملة، تعزز الأمن السيادي وتقلل الاعتماد الخارجي، وتضمن قدرة الاستجابة الفورية لأي تهديد.
تُظهر المعطيات الجديدة أن المنطقة تمر بفترة حساسة، حيث أصبح من الواضح أن الحماية الأجنبية لم تعد كافية لضمان أمن الخليج. وفي ظل التهديدات المتصاعدة، سيكون على الدول الخليجية اتخاذ خطوات جريئة نحو الاستقلالية الدفاعية، مع التركيز على تطوير القدرات المحلية وتعزيز التعاون الإقليمي، لضمان ألا تتحول القواعد الأجنبية من أدوات حماية إلى عبء استراتيجي يهدد مصالح المنطقة.












