دمشق- المنشر الاخباري، 6 مارس 2026، كشفت مصادر مطلعة لوكالة رويترز، اليوم الجمعة، أن جهاز الاستخبارات التركي طلب من نظيره البريطاني “MI6” الاضطلاع بدور أكبر في حماية الرئيس السوري أحمد الشرع، وذلك في أعقاب مخططات اغتيال خطيرة تم الإبلاغ عنها مؤخرا، في مشهد يكشف عن أجواء أمنية بالغة الهشاشة تحيط بالقيادة السورية الجديدة في لحظة إقليمية بالغة التعقيد.
طلب استخباراتي غير مسبوق
أفاد مصدر تركي بأن جهاز المخابرات الوطنية التركي “ميت”، الذي أدى دورا محوريا في مساعدة الحكومة السورية الجديدة على ترسيخ وجودها عقب الإطاحة ببشار الأسد، قد لجأ إلى نظيره البريطاني طالبا تقديم مزيد من الدعم، وجاء الطلب في أعقاب حادثة أمنية خطيرة جرت الشهر الماضي لم تكشف تفاصيلها بعد.
وأكد مصدر أمني سوري بارز لرويترز أن الطلب جاء على خلفية ما وصفه بـ”مخطط اغتيال شديد الخطورة”، مضيفا أن أجهزة المخابرات التركية والبريطانية والسلطات السورية باتت تتشارك المعلومات الاستخباراتية بصورة منتظمة في مواجهة هذه التهديدات.
غير أن تفاصيل المخطط لا تزال طي الكتمان، ولم يتضح بعد ما الذي طلبته أنقرة من لندن بالتحديد، ولا طبيعة الدور الذي اضطلع به “MI6” على أرض الواقع إن كان قد تحرك أصلا.
“منطقة عازلة” بين أنقرة وتل أبيب
الأكثر إثارة في هذا الملف ما رواه مصدر مخابراتي غربي مطلع، من أن أنقرة لا تسعى من وراء هذا الطلب إلى الحماية الأمنية للشرع فحسب، بل تريد في الوقت ذاته إيجاد حضور غربي في دمشق يكون بمثابة “منطقة عازلة” بين الأجهزة الاستخباراتية التركية والإسرائيلية، اللتين تعيشان حاليا في حالة من التنافس والتوتر الحادين.
هذا الكشف يسلط الضوء على بعد جيوسياسي أعمق يتخطى ملف حماية الشرع، إذ تسعى تركيا إلى توظيف الورقة البريطانية لإرساء توازن استخباراتي داخل دمشق، في ظل تصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ في سوريا المعاد رسم خريطتها.
دمشق تقر بالتنسيق مع أنقرة علنا
وفي تطور مواز بالغ الأهمية، أقرت دمشق، يوم الخميس، وللمرة الأولى بصورة علنية، بوجود تنسيق مشترك مع جهاز المخابرات التركي، مشيرة إلى أن الطرفين تعاونا معا لإحباط هجوم خططت له خلايا تنظيم “داعش” على العاصمة السورية.
ويمثل هذا الإقرار العلني تحولا لافتا في الموقف السوري الرسمي، الذي دأب حتى وقت قريب على التحفظ في الإفصاح عن التعاون الأمني مع أي طرف خارجي.
شبح داعش يطارد الشرع
تقع مخططات الاغتيال المنسوبة إلى تنظيم “داعش” في قلب هذا الاضطراب الأمني المتصاعد.
وأفادت المصادر، ومنها مسؤولون سوريون وأجانب، بوجود قلق متنام إزاء سلسلة من المخططات التي رصدتها الأجهزة الاستخباراتية وتستهدف الشرع شخصيا، مما يضع القيادة السورية الجديدة في مواجهة أحد أعتى التهديدات الأمنية منذ اليوم الأول لتسلمها السلطة.
ولا يفاجئ هذا التصعيد المراقبين؛ فتنظيم داعش ينظر إلى الشرع وحكومته بوصفهما خصمين وجوديين يقفان حائلا دون أي مسعى لإعادة التمدد في الجغرافيا السورية التي كان التنظيم يسيطر منها ذات يوم على مساحات شاسعة. ومن ثم، فإن إزاحة الشرع تمثل في حسابات التنظيم هدفا استراتيجيا من الدرجة الأولى.
الشرع.. الرهان الغربي على الاستقرار
يرى الحلفاء الغربيون وفي مقدمتهم تركيا وبريطانيا أن استمرار الشرع في السلطة يمثل ضمانة لا غنى عنها لمنع الانزلاق الكارثي نحو صراع طائفي جديد أو حرب أهلية مضاعفة، في بلد لا يزال يحمل ندوب حرب دموية مطولة حصدت مئات الآلاف من الأرواح وشردت ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها.
وتدرك عواصم غربية عدة أن الفراغ الذي سينجم عن اغتيال الشرع أو إضعافه لن يملأه بديل معتدل جاهز، بل سيفتح الباب أمام موجة جديدة من الفوضى والتشرذم قد تكون أشد وطأة من سابقتها، وتجدد ظروف صعود التنظيمات الجهادية التي استثمرت فراغ الدولة في الحرب السابقة.
سياق إقليمي متفجر
يأتي هذا الكشف في لحظة إقليمية بالغة الاشتعال، إذ تلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلالها الثقيلة على مجمل التوازنات في المنطقة، وتفرز ضغوطا جديدة على المشهد السوري الهش.
وتجد دمشق نفسها في قلب هذا الإعصار الإقليمي، مضطرة إلى الموازنة بين علاقاتها المتشعبة مع أطراف متعددة وتوجهات متباينة، في وقت تتصارع فيه قوى كبرى على ورقة النفوذ السوري.
وتبقى تركيا، من موقعها الجغرافي والاستراتيجي، الداعم الأكثر انخراطا في الملف السوري من بين جميع الأطراف الإقليمية والدولية، إذ تربطها بسوريا حدود برية طويلة تمر عبرها تدفقات اللاجئين والبضائع والنفوذ، فضلا عن ملفات أمنية متشابكة على رأسها ملف الأكراد الذي يظل الخط الأحمر الأول في السياسة الخارجية التركية.
لندن على الخط.. بهدوء
دأبت بريطانيا على انتهاج سياسة الانخراط الهادئ في الملف السوري، بعيدا عن الأضواء، وهو ما يجعل جهاز “MI6” شريكا مفضلا لدى أنقرة في عملية من هذا الحجم. فخبرة الاستخبارات البريطانية في إدارة الملفات الأمنية الحساسة بعيدا عن الانكشاف الإعلامي، وشبكة علاقاتها الواسعة في المنطقة، تجعل من لندن طرفا يصعب الاستغناء عنه حين يتعلق الأمر بحماية قيادة دولة في طور إعادة البناء.
ويرى المحللون أن الطلب التركي يعكس في جوهره قناعة بأن الثقل الغربي ضروري لردع الاستهداف، ذلك أن الرسالة المضمنة في أي حضور “MI6” في دمشق هي أن استهداف الشرع لن يكون مجرد شأن سوري أو تركي، بل سيكون عملا يمس مباشرة المصالح الأمنية الغربية.
الطريق أمام دمشق.. وعر وطويل
تكشف هذه التطورات في مجملها أن الطريق أمام دمشق لترسيخ الاستقرار لا يزال وعرا ومحفوفا بالمخاطر. فالحكومة الجديدة تخوض في آن واحد معركة بناء مؤسسات الدولة، ومعركة صد خصوم داخليين وإقليميين لا يريدون لها النجاح، ومعركة ثالثة في إدارة التوازنات الدقيقة بين قوى كبرى تتنافس على النفوذ في البلاد.
وفي هذا الحقل المليء بالألغام، يبدو أن الشرع يراهن على شبكة دعم دولية متعددة المحاور لتأمين بقائه وبقاء مشروعه السياسي، في رهان محفوف بالمخاطر لكنه يظل في نظر كثيرين البديل الوحيد عن عودة الفوضى.










