أربيل- المنشر الاخباري، 6 مارس 2026، في تصعيد دراماتيكي يضيف جبهة جديدة إلى خريطة الحرب المشتعلة في المنطقة، وجهت إيران إنذارا صريحا وغير مسبوق لإقليم كردستان العراق، هددت فيه باستهداف “جميع منشآت الإقليم على نطاق واسع” إذا سمحت سلطاته للجماعات الكردية المعارضة بالعمل من أراضيه أو التسلل عبر حدودها.
وجاء الإنذار في خضم مشهد بالغ التعقيد، تتشابك فيه تصريحات ترامب الداعمة للهجوم الكردي على إيران، مع تحفظ الأحزاب الكردية ذاتها التي ترى أن أي تحرك دون غطاء جوي أمريكي لن يكون سوى “انتحار”.
طهران تضع الإقليم أمام خيار مصيري
جاء التهديد الإيراني على لسان علي أكبر أحمديان، ممثل مكتب قيادة الجمهورية الإسلامية في مجلس الدفاع الوطني، في رسالة شديدة اللهجة لا تحتمل التأويل. قال أحمديان: “حتى الآن لم تستهدف إيران سوى القواعد الأمريكية والكيان الصهيوني والجماعات الانفصالية في المنطقة، ولكن إذا سمح لهذه الجماعات أو عناصر النظام بمواصلة وجودها أو دخول حدود إيران عبر المنطقة، فسيتم استهداف جميع منشآت إقليم كردستان العراق على نطاق واسع كخط دفاع خلفي لهذه الجماعات والنظام”.
الرسالة في جوهرها توجيه إنذار نهائي لأربيل: إما الفصل التام عن أي نشاط كردي معارض لطهران، وإما تحمل تبعات الاستهداف الشامل، وهو خيار يضع قيادة الإقليم في مأزق استثنائي، إذ تربطها بالأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة علاقات تاريخية وجغرافية وعرقية يصعب قطعها بقرار سياسي فوري.
ترامب يشعل الفتيل.. والبيت الأبيض يتراجع
أضاف تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزيدا من الاشتعال إلى هذا المشهد، حين أعلن في مقابلة هاتفية مع وكالة رويترز يوم الخميس دعمه الصريح للهجوم الكردي على إيران.
وحين سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم دعما جويا لمثل هذا الهجوم، أجاب بعبارة مثيرة: “لا أستطيع أن أخبركم بذلك”، وهي صياغة تفتح الباب أمام تفسيرات متعددة، وتبقي الغموض الاستراتيجي سيد الموقف.
وكان البيت الأبيض قد نفى في وقت سابق تقارير تحدثت عن أن ترامب كان يفكر فعليا في تسليح الأكراد لمهاجمة إيران، في تناقض لافت مع تصريح الرئيس ذاته، يعكس حجم الارتباك الذي يسود الإدارة الأمريكية في إدارة هذا الملف الشائك.
ويرى المحللون أن ترامب يوظف الورقة الكردية أداة للضغط النفسي على طهران أكثر من كونها خطة عملياتية جاهزة، إذ إن الواقع الميداني يكشف أن الأحزاب الكردية المعارضة بعيدة كل البعد عن امتلاك القدرة العسكرية اللازمة للتحرك دون غطاء أمريكي واسع.
الأكراد أنفسهم يتحفظون: “هذا انتحار”
في مفارقة صارخة، جاء الموقف الأكثر واقعية وتحفظا من الأطراف الكردية ذاتها التي يفترض أنها ستكون محرك هذا الهجوم. فقد نفت الأحزاب الكردية المعارضة للجمهورية الإسلامية المتمركزة في شمال العراق بشكل قاطع التقارير التي تحدثت عن دخول بعض قواتها إلى الأراضي الإيرانية.
وكان الأكثر صراحة في التعبير عن هذا التحفظ حسين يزدان بناه من حزب حرية كردستان “باك”، إذ كشف أن ست جماعات معارضة كردية شكلت مؤخرا ائتلافا وتنسق خططها، غير أنها تحتاج إلى دعم أمريكي لـ”تمهيد الطريق لأي تحرك”، مضيفا بوضوح تام: “لن يحدث شيء هذا الأسبوع”.
وذهب يزدان بناه إلى أبعد من ذلك في وصف الواقع العسكري للقوات الكردية، حين قال: “لا يمكننا التحرك حتى تصبح السماء فوقنا آمنة من تهديدات العدو، ويجب علينا ضمان تدمير مستودعات أسلحة الحكومة بالكامل. وإلا، فسيكون هذا انتحارا”.
ودعا صراحة إلى فرض منطقة حظر طيران لحماية القوات الكردية، كاشفا عن الهوة الهائلة في التسليح، بقوله: “النظام عنيف للغاية، وأكثر الأسلحة تطورا لدينا هو الكلاشينكوف”.
كردستان العراق.. بين فكي الكماشة
يجد إقليم كردستان العراق نفسه اليوم محاصرا بين ضغوط متقاطعة تختلف توجهاتها وتتضارب مصالحها. من جهة، يضغط الحليف الأمريكي الذي يدعم علنا فكرة توظيف الورقة الكردية ضد طهران.
ومن جهة أخرى، تلوح إيران بعصا الاستهداف الشامل لكل منشآت الإقليم، في تهديد لا يمكن الاستهانة به في ظل القدرات الصاروخية والمسيرة الإيرانية التي أثبتت فاعليتها مرارا.
والإقليم الذي يفتقر إلى عمق استراتيجي، ولا يملك قوات جوية مستقلة، ويعتمد في اقتصاده اعتمادا كبيرا على العلاقات مع المحيط بما فيه إيران، يدرك جيدا أن الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع طهران قد يكون مكلفا بصورة غير محتملة، خاصة أن بغداد ذاتها تتعرض لضغوط متزايدة وتفتقر إلى القدرة على توفير مظلة حماية كافية للإقليم.
معادلة الغموض الاستراتيجي
يكشف هذا المشهد المركب عن معادلة يصعب حلها في الأمد المنظور. فترامب يريد توظيف الورقة الكردية دون أن يفصح عن التزامات واضحة بتقديم الغطاء الجوي اللازم. والأكراد يريدون التحرك لكنهم يعلمون أن التحرك دون غطاء أمريكي يعني الفناء. وطهران تريد قطع هذا المسار قبل أن يتشكل بتهديد يشمل الإقليم برمته.
وفي قلب هذا المثلث المتوتر، يقف الإقليم الكردي على حافة خطيرة، يحاول تجنب الانزلاق نحو مواجهة لم يخترها، في حين تتقاذفه إرادات قوى أكبر منه لا تحمل بالضرورة مصلحته في أولوياتها. وما لم تقدم واشنطن التزاما أمنيا واضحا وقابلا للتنفيذ، يبدو أن الورقة الكردية ستظل في حسابات الحرب على إيران رهانا معلقا لا قرارا منجزا.










