خاص| المنشر الاخباري، 6 مارس 2026، في مشهد لم تشهده المنطقة منذ عقود، تحولت حقول النفط والغاز في الخليج العربي والعراق إلى ساحة حرب حقيقية، بعد أن امتدت ذراع إيران وأدواتها المسلحة لتطال شرايين الطاقة الرئيسية في المنطقة، في تصعيد غير مسبوق ينذر بصدمة اقتصادية عالمية كبرى تتجاوز حدود المنطقة لتضرب أسواق الطاقة في آسيا وأوروبا وأمريكا.
من رأس تنورة إلى رأس لفان.. المنشآت الكبرى تشتعل
في يوم واحد، الاثنين 2 مارس 2026، شهدت المنطقة توقف أكبر منشآت النفط والغاز في السعودية وقطر، نتيجة هجمات بطائرات مسيرة نسبت إلى إيران، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز في أوروبا إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من عام.2
منذ انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير 2026، اتجهت الضربات الصاروخية والمسيرات إلى عصب الطاقة في الخليج وإيران، بين إصابات مباشرة وتصد أدى إلى حرائق من الحطام، مما دفع شركات وحكومات إلى تعليق تشغيل منشآت نفطية كما حدث في السعودية وقطر.
في السعودية، كانت مصفاة رأس تنورة الهدف الأبرز. تبلغ الطاقة الإنتاجية لمصفاة رأس تنورة نحو 550 ألف برميل يوميا، فيما يعد الميناء المجاور أحد أكبر موانئ تصدير النفط عالميا. ويمثل استهداف رأس تنورة تصعيدا خطيرا في نظر المحللين، إذ أصبحت البنية التحتية للطاقة في الخليج هدفا مباشرا في خضم المواجهة الإقليمية.
أما في قطر، التي تعد قلب صناعة الغاز المسال العالمي، فقد كان الضربة أشد وطأة. أعلنت شركة قطر للطاقة المملوكة للدولة أنها بصدد إعلان حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال بعد هجمات بطائرات إيرانية مسيرة استهدفت منشآت في مجمع رأس لفان الضخم، الذي يضم خطوط تسييل الغاز وهي وحدات معالجة ضخمة تقوم بتبريد الغاز الطبيعي إلى درجات فائقة الانخفاض لتحويله إلى سائل بغرض تصديره عبر السفن.
تصدر قطر نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا، وهي ثاني أكبر مصدر بعد الولايات المتحدة، فيما يذهب 82% من صادراتها إلى آسيا، وأي تعطل ممتد في إنتاجها يهدد أمن الطاقة في شرق آسيا وأوروبا على حد سواء.
الإمارات والكويت في مرمى الهجمات
في الإمارات، انتقلت الهجمات إلى عقد التخزين والتوزيع خارج المضيق، إذ استهدف طيران مسير مرفأ مصفح، ثم تسبب حطام اعتراض مسيرة بحريق في الفجيرة، إحدى أكبر ساحات التخزين والتزويد عالميا.
وتعد الفجيرة مركزا استراتيجيا بالغ الأهمية لكونها تقع خارج مضيق هرمز، مما كان يعتبر حماية طبيعية لها من الاضطرابات، غير أن الهجمات الأخيرة أثبتت أن لا مكان بمنأى عن الصراع.
في الكويت، أعلنت شركة البترول الوطنية و”كيبك” سقوط شظايا في مصفاة ميناء الأحمدي، مما أدى إلى إصابتين طفيفتين.
العراق يخسر ملايين البراميل
تجلت الآثار غير المباشرة لإغلاق مضيق هرمز في العراق، إذ تقلص إنتاج النفط الخام من حقل الرميلة، أكبر حقوله، ومشروع غرب القرنة 2 بواقع 1.2 مليون برميل يوميا بسبب امتلاء صهاريج التخزين، وأشار أشخاص مطلعون إلى أن العراق يستعد لخفض قرابة 3 ملايين برميل يوميا من الإنتاج إذا استمرت أزمة المضيق.
أكد مسؤولون عراقيون أن توقف الإنتاج شمل أيضا حقل غرب القرنة 2، محذرين من خفض يتجاوز 3 ملايين برميل يوميا إذا استمر الوضع. وارتفعت أسعار النقل البحري للعراق بنحو 60% بسبب زيادة التأمين.
كما طالت الهجمات إقليم كردستان العراق، إذ أوقفت شركات، منها دي.إن.أو وجلف جيستون بتروليم ودانة غاز وإتش.كيه.إن إنرجي، الإنتاج في حقولها هناك في إطار إجراءات احترازية، وكان الإقليم قد صدر في فبراير 200 ألف برميل يوميا عبر خط أنابيب لميناء جيهان التركي.
مضيق هرمز.. سلاح الخنق الاقتصادي
في خطوة وصفها المحللون بالأشد خطورة، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز، شريان التجارة العالمية في الخليج، مما سيؤدي إلى شل حركة الملاحة عبره لا سيما لناقلات النفط والغاز، حيث يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميا وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
أوضح المستشار النفطي الكويتي مبارك محمد الهاجري أن مضيق هرمز يعد شريانا بحريا حيويا لا يمكن الاستغناء عنه، حيث يتم نقل نحو 75% من المواد الخام للطاقة من بترول وبتروكيماويات عبر هذا الممر الملاحي العالمي، مؤكدا أن تهديد إيران بإغلاق المضيق سيؤدي حتما إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الاستهلاكية والغذائية على مستوى العالم.
وأعلنت الإدارة البحرية الأمريكية توصياتها للسفن بتجنب مضيق هرمز وخليج عمان، فيما أعلنت سلطنة عمان عن هجوم على ناقلة النفط “سكاي لايت”.
الأسواق العالمية في صدمة
تعكس تحركات البورصات وتدفقات رأس المال سرعة إعادة التسعير، فقد هبط مؤشر قطر بنحو 4.3% في 2 مارس 2026، وهو أكبر هبوط يومي منذ مارس 2020، وأغلقت الإمارات سوقي أبوظبي ودبي يومين وسط تصاعد التوتر. كما نصحت مؤسسات مالية دولية بتأجيل السفر إلى المنطقة، وتوقفت أو تأجلت محادثات صفقات واستثمارات عبر الحدود، مما يعكس تباطؤا مباشرا في نشاط الدمج والاستحواذ والاستثمار المصرفي.
يكمن جوهر الخطورة في تزامن تهديد المضيق مع استهداف منشآت إنتاج وتكرير من رأس لفان في قطر إلى رأس تنورة في السعودية، مما يشكل صدمة مزدوجة في النفط والغاز معا، غير مسبوقة في حجمها وتزامنها.
استراتيجية الألم.. ضرب العالم من حقول الخليج
يرى المحللون الاستراتيجيون أن إيران توظف هذه الهجمات ورقة ضغط مزدوجة؛ فهي من جهة توجه رسالة لدول الخليج مفادها أن دعم العمليات الأمريكية الإسرائيلية سيكون مكلفا، ومن جهة أخرى تصيب الاقتصاد الأمريكي ذاته من خلال ارتفاع أسعار الطاقة الذي ينعكس على المستهلك الأمريكي مباشرة.
قال محلل شؤون الشرق الأوسط لدى شركة فيريسك مابلكروفت توربيورن سولتفيت إن الهجوم على مصفاة رأس تنورة السعودية يمثل تصعيدا خطيرا إذ أصبحت البنية التحتية للطاقة في الخليج هدفا مباشرا لإيران، مضيفا أن الهجوم قد يدفع السعودية ودول الخليج المجاورة إلى الاقتراب أكثر من الانضمام إلى العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
يحذر الخبراء من أن اقتصادات الخليج، رغم جهود التنويع، ستتأثر بشدة إذا حرمت من تصدير نفطها لفترة طويلة، مما سيؤدي إلى اتساع العجز المالي، خاصة في دول مثل السعودية والكويت، وقد ينعكس مباشرة على الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية.
العالم يراقب بقلق بالغ مسار هذه الحرب الشاملة على الطاقة، التي باتت تقرأ ليس فقط على خرائط المواجهة العسكرية، بل على أسعار النفط والغاز وفواتير الكهرباء وأرفف المتاجر في كل عاصمة على وجه الأرض.










