بينما تستعر نيران المواجهة العسكرية بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران، بدأت أصداء الانفجارات في مضيق هرمز ومنشآت الغاز القطرية تتردد بعمق داخل أروقة وزارات المالية وصناديق الثروة السيادية في منطقة الخليج.
فالعواصم التي طالما اعتبرت “خزائن العالم” باتت اليوم تبحث بشكل جدي في خيارات صعبة لتخفيف الأعباء المالية الناجمة عن حرب لم تكن هي من أشعل فتيلها، لكنها تجد نفسها اليوم الممول الأكبر لتبعاتها والهدف الأكثر تضررا من ردود أفعالها.
مراجعة كبرى للاستثمارات العالمية
كشفت مصادر مطلعة لصحيفة “فايننشال تايمز” أن ثلاثا من أكبر أربع اقتصادات في مجلس التعاون الخليجي — السعودية، الإمارات، الكويت، وقطر — بدأت مشاورات مشتركة ومراجعات داخلية “غير مسبوقة” لالتزاماتها المالية الخارجية.
وبحسب مسؤول خليجي رفيع المستوى، فإن الضغوط المتزايدة على الموازنات الوطنية تدفع هذه الحكومات إلى إعادة النظر في كل شيء؛ بدءا من التعهدات الاستثمارية المليارية في الدول الغربية، مرورا برعايات الأحداث الرياضية الضخمة، وصولا إلى إمكانية تفعيل بنود “القوة القاهرة” في العقود القائمة أو حتى اللجوء لبيع بعض الأصول لضمان السيولة.
يقول المسؤول: “نحن أمام واقع جديد. الاستنزاف المالي الناتج عن زيادة الإنفاق الدفاعي، وتراجع قطاعات الطيران والسياحة، وصعوبات شحن الطاقة، يفرض علينا تحديد الأولويات. لا يمكن الاستمرار في ضخ الاستثمارات في الخارج بالوتيرة ذاتها بينما تواجه جبهتنا الداخلية ضغوطا اقتصادية ناتجة عن وتيرة الحرب الجارية”.
ضغوط الموازنة: الطاقة والدفاع والخدمات اللوجستية
تأتي هذه التحركات الاحترازية نتيجة “كماشة اقتصادية” تضغط على دول الخليج من اتجاهين:
تراجع الإيرادات: أدت الهجمات على ناقلات النفط في الخليج — حيث تعرضت ما لا يقل عن عشر ناقلات لضربات مباشرة — إلى شبه توقف في حركة الشحن عبر مضيق هرمز. هذا الممر الذي يعبره خمس إمدادات العالم من النفط والغاز أصبح “منطقة خطر”، مما أدى لانخفاض الإنتاج وصعوبة وصول الإمدادات للأسواق العالمية.
زيادة النفقات: اضطرت دول المنطقة لرفع ميزانيات الدفاع إلى مستويات قياسية لتأمين منشآتها الحيوية وتفعيل منظومات اعتراض الصواريخ والمسيرات التي باتت تستهدف المطارات والفنادق والمباني السكنية بشكل شبه يومي.
وفي تطور دراماتيكي يعكس حجم المأزق، أعلنت قطر — ثاني أكبر منتج للغاز المسال في العالم — حالة “القوة القاهرة” هذا الأسبوع بعد تعليق الإنتاج في منشأتها الرئيسية إثر هجوم بطائرة مسيرة.
وبالمثل، تعرضت إحدى كبريات مصافي النفط السعودية لهجوم مماثل، مما وضع “أمن الطاقة” العالمي والمحلي في اختبار هو الأصعب منذ عقود.
رسائل سياسية خلف الستار المالي
يرى مراقبون أن تلويح دول الخليج بمراجعة استثماراتها في الولايات المتحدة يمثل وسيلة ضغط “ناعمة ولكن فتاكة” على إدارة الرئيس دونالد ترامب.
فالسعودية والإمارات وقطر تعهدت العام الماضي باستثمار مئات المليارات في الاقتصاد الأمريكي عقب زيارة ترامب للمنطقة. وأي تراجع عن هذه الالتزامات سيصيب الاقتصاد الأمريكي في مقتل، وقد يدفع البيت الأبيض قسرا نحو انتهاج استراتيجية دبلوماسية لإنهاء الحرب.
يقول مستشار لحكومة خليجية: “لقد لفتت هذه المراجعات انتباه واشنطن بالفعل. البيت الأبيض يدرك أن صناديق الثروة السيادية الخليجية هي المحرك الأساسي لكثير من المشاريع الضخمة في الغرب، وسحب هذه الاستثمارات أو تجميدها يعني نقل عبء الحرب المالي إلى الداخل الأمريكي”.
غضب “خلف الحبتور” ونهاية “مجلس السلام”
لم تقتصر الضغوط على المستويات الرسمية، بل امتدت لتعكس غضبا في أوساط قطاع الأعمال الخليجي.
رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، لخص هذا الإحباط في منشور وجهه مباشرة لترامب، متسائلا بحدة عن الجدوى من جر المنطقة إلى حرب مدمرة.
الحبتور، الذي تعبر كلماته عن شريحة واسعة من النخبة الاقتصادية، أشار إلى أن دول الخليج كانت مرشحة لتكون الممول الرئيسي لخطة “إعادة إعمار غزة” ومبادرة “مجلس السلام” التي أطلقها ترامب.
وقال: “لقد قدمنا مليارات الدولارات لدعم الاستقرار والتنمية، ولنا الحق اليوم في أن نسأل: هل نحن نمول مبادرات سلام أم نمول حربا تضعنا في فوهة المدفع؟”.
هذا التساؤل يعكس تحولا جوهريا في النظرة الخليجية؛ فالدول التي حثت واشنطن سابقا على التريث والسعي لحل دبلوماسي، تجد نفسها اليوم تتحمل الكلفة الأكبر لرد الفعل الإيراني “العنيف” الذي طال القواعد الأمريكية، السفارات، وحتى المنشآت المدنية في عمق عواصمها.
تفعيل “القوة القاهرة” والتحول نحو الداخل
قانونيا، بدأت بعض العواصم دراسة تفعيل بند “القوة القاهرة” (Force Majeure) الذي يسمح للشركات والحكومات بالتحلل المؤقت من التزاماتها التعاقدية بسبب ظروف الحرب القاهرة. هذا الإجراء، إذا ما تم تعميمه، قد يؤدي إلى تجميد صفقات تسليح، ومشاريع بنية تحتية، وحتى عقود رعاية رياضية عالمية.
وتشير التوقعات إلى أن الأولوية القصوى الآن ستمنح لتنويع الاقتصاد “داخليا” لمواجهة الصدمات، بدلا من التوسع الاستثماري الخارجي الذي قد يصبح عرضة للمصادرة أو التجميد في ظل تدهور العلاقات الدولية.
الخاتمة: فاتورة الحرب الباهظة
تجد دول الخليج نفسها في وضع لا تحسد عليه؛ فهي تمتلك الثروة التي يطمع فيها الجميع لتمويل الصراعات أو إعادة الإعمار، لكنها تفتقر إلى الضمانات الأمنية التي تحمي هذه الثروة من “الدمار الجانبي”.
ومع استمرار سقوط الصواريخ والمسيرات، يبدو أن “الدبلوماسية المالية” ستكون السلاح الأخير الذي تشهره العواصم الخليجية لإجبار القوى الكبرى على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، خشية أن تنفد الخزائن قبل أن تنتهي الحرب.











