القاهرة — لم يكد هلال رمضان يطل حتى أشعل مسلسل “المداح” في جزئه السادس المعنون بـ”أسطورة النهاية” حربا من نوع آخر على شاشات التلفزيون وفي أروقة منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتصادم آراء المشاهدين حول مسلسل يجرؤ على توظيف رمز من أكثر الرموز التاريخية إثارة للجدل والرهبة: الرقم 666، الذي يعود في جذوره إلى سفر الرؤيا في الإنجيل كـ”رقم الوحش”، ليتحول في يد صناع العمل إلى محور درامي يضيء ويرعب في آن معا.
عام 666.. حيث يبدأ كل شيء
تنفتح الحلقة الأولى على فلاش باك مثير يعود بالمشاهد إلى عام 666 ميلادي، حين يولد طفل يوصف بأنه “نذير شر” وتجسيد للشر الأول على وجه الأرض.
لكن الطفل لا يتمكن من إتمام مهمته، إذ يقتل على يد غنيم، جد صابر المداح الذي يؤدي دوره النجم حمادة هلال، في مشهد تأسيسي يؤجج عداوة ممتدة عبر القرون بين نسل غنيم ونسل ذلك الشر الأول المتجسد في شخصية قزح التي يؤديها الفنان فتحي عبد الوهاب.
هذا الاختيار الزمني ليس عشوائيا. فالرقم 666 المستل من سفر الرؤيا، الإصحاح الثالث عشر، حيث يستخدم رقما للوحش أو الدجال، يشكل في المسلسل عمود الرواية الفقري، إذ يربط الماضي بالحاضر في خيط رفيع من الرمزية الدينية والتراث الشعبي والأسطورة الكونية.
صابر المداح.. البطل الذي فقد قوته
يعود حمادة هلال في دور صابر المداح بعد غياب عام كامل، لكنه لا يعود منتصرا. يكتشف أن ابنه قد مات، وأن بيته أحرق، والأمر الأكثر إيلاما أنه فقد “البصيرة”، تلك القدرة الربانية التي كانت تميزه وتمكنه من رؤية الجن وكشف أسرار الخفاء.
بطل محطوم، مجرد من سلاحه الأهم، يواجه خصما لم يهزم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. هذه المعادلة الدرامية التي يقدمها الجزء السادس أشد تعقيدا وعمقا من أجزاء سابقة، وتضع المشاهد أمام سؤال حقيقي: كيف يقاتل رجل بلا قوة خصما أزليا؟
الشيخ ياسين يكشف السر.. وسميح يجسد الدجال
في إحدى الحلقات المحورية، يجلس الشيخ ياسين، الشخصية الدينية الراسخة في نسيج المسلسل، أمام صابر ليكشف له سر الرقم 666 كاملا، محذرا إياه من مخاطره في سياق معركته مع سميح الجلاد وفتح حضانة “بابا سميح” التي باتت مسرحا للطقوس الغامضة.
وشخصية سميح التي يؤديها فتحي عبد الوهاب بامتياز لافت لا تخلو بدورها من إشارات مضمرة أشعلت نقاشات واسعة، إذ يرى كثير من المشاهدين أن الاسم “سميح” معكوسا يحمل دلالات خفية، ويربطون ذلك بتلميحات المسلسل نحو شخصية ترمز إلى المسيح الدجال أو الشر المطلق، في توظيف ذكي للأساطير الدينية الكبرى داخل إطار درامي شعبي.
666.. درامية أم رسالة؟
هنا يشتعل الجدل الحقيقي. المشاهدون منقسمون انقساما حادا حول ما تعنيه هذه الرمزية فعلا. فريق أول يرى أن الرقم 666 ليس أكثر من أداة درامية ذكية لرفع منسوب التشويق والرعب، وأن صناع المسلسل وظفوه توظيفا فنيا محكما لخلق أجواء الإثارة المطلوبة في عمل يتناول صراع الخير والشر.
وفريق ثان يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤمنا بأن المسلسل يحمل رسالة أعمق مرتبطة بأحداث آخر الزمان، ويربط ما يشاهده بأحاديث الدجال وعلامات الساعة وأساطير الشر الكوني. ويمتلئ الإنترنت بتحليلات مستفيضة تشبك بين أحداث المسلسل والموروث الديني والشعبي، في ظاهرة تكشف كيف يصبح العمل الفني مرآة لهواجس جمعية عميقة.
رمضان 2026.. معركة المنصات وصابر في القمة
يعرض “المداح 6” حصريا على منصة شاهد MBC وقناة MBC Masr يوميا في تمام الساعة الثامنة مساء بتوقيت القاهرة، في منافسة محتدمة في موسم رمضاني يشهد أشرس المعارك بين المنصات الرقمية والقنوات التلفزيونية.
وتشير بيانات المشاهدة الأولية إلى أن الجزء السادس يسجل حضورا لافتا يتخطى توقعات كثيرين، مما يؤكد أن ملحمة صابر المداح لم تفقد زخمها بعد ست سنوات من إطلاقها، بل يبدو أن الجمهور يزداد تعلقا بها كلما تعقدت خيوطها وتشعبت أبعادها.
حمادة هلال.. بطولة من نوع آخر
يتحدى حمادة هلال في هذا الجزء نفسه بأداء مختلف يتطلب منه تجسيد بطل مكسور لا يتكئ على قدراته الخارقة، بل يقاتل بإنسانيته الهشة وحدها. وهذا التحول في كتابة الشخصية يضع الممثل أمام امتحان أدائي أصعب بكثير من المواجهات الجنية والمشاهد الخارقة التي حفلت بها الأجزاء السابقة.
“أسطورة النهاية” تعد بأن تكون نهاية لأسطورة أو بداية لها. وما بين الاحتمالين، يجلس الملايين كل ليلة رمضانية أمام شاشاتهم، لا يبحثون فقط عن تسلية، بل عن إجابة لسؤال قديم يسكن روح البشرية منذ فجر التاريخ: هل ينتصر الخير في النهاية؟









