بيروت – في جنح الظلام، وعلى بعد خطوات من أسوار جبانة بلدة النبي شيت في البقاع اللبناني، نفذ الجيش الإسرائيلي عملية ليلية لافتة، استدعت كل هذا الحجم من التخطيط السري والتوغل في عمق الأراضي اللبنانية، لتكشف عن هدف واحد يلخص أكثر الملفات غموضا وإيلاما في التاريخ العسكري الإسرائيلي: العثور على رفات الطيار رون آراد، الذي اختفى في لبنان منذ ما يزيد على ثمانية وثلاثين عاما.
وأشارت هيئة البث الإسرائيلية نقلا عن مصادر مطلعة إلى أن “الجيش الإسرائيلي نفذ عمليات في الأراضي اللبنانية الليلة الماضية للعثور على جثة رون آراد”، في خطوة تعكس إصرار تل أبيب على إغلاق هذا الجرح المفتوح ولو بعد عقود من الانتظار.
ضابط مخطوف يقود إلى مقبرة
وما يضفي على هذه العملية أبعادا استثنائية هو ما أوردته معلومات متداولة بأن الإسرائيليين اصطحبوا معهم في هذه المهمة ضابطا من جهاز الأمن العام اللبناني، كان قد وقع في قبضتهم عبر عملية اختطاف قبل فترة. وبحسب هذه المعلومات، فإن الضابط المخطوف أفيد بأنه كان على دراية بمكان دفن آراد أو على صلة بمعلومات تقود إليه، فاستغل الإسرائيليون هذه الورقة كاملة ونقلوه إلى مقابر النبي شيت ليرشدهم بنفسه إلى الموقع المحتمل، في مشهد يستحضر من كتب التاريخ أكثر من خيوط روايات التجسس والعمليات الاستخباراتية.
من هو رون آراد؟
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن فهم حجم الثقل الرمزي والإنساني الذي تحمله قضية رون آراد في الوجدان الإسرائيلي الجمعي.
آراد طيار إسرائيلي ولد عام 1958، وتدرج في سلاح الجو الإسرائيلي حتى بلغ رتبة ضابط. وفي السادس عشر من أكتوبر عام 1986، شارك في غارة جوية استهدفت موقعا في مدينة صيدا جنوب لبنان. غير أن القدر كان له بالمرصاد؛ إذ أدى خلل تقني مفاجئ إلى انفجار قذيفة في محيط طائرته، مما تسبب في سقوطها فوق الأراضي اللبنانية. تمكن آراد وزميله الطيار يشاي أفيرام من الإفلات بالقفز بالمظلة، غير أن الحظ لم يسعفهما معا؛ إذ نجح الجيش الإسرائيلي في تحديد موقع أفيرام وإنقاذه، فيما وقع آراد وحيدا في الأسر، مفتتحا بذلك فصلا من الغموض لم يقفل حتى اليوم.
من “أمل” إلى الديراني.. مسار يضيع فيه الأثر
تروي الرواية الإسرائيلية أن عناصر من حركة “أمل” اللبنانية هم من اعتقلوا آراد في البداية، قبل أن تتداول مسألة تسليمه إلى مصطفى الديراني، المسؤول الأمني في الحركة آنذاك. ومنذ تلك اللحظة، انقطع كل أثر لآراد، وتضاربت الروايات حول مصيره تضاربا جعل قضيته أشبه بلغز لم تسعف المحاولات المتواترة في حله.
وعلى امتداد العقود التالية، لم تتوان إسرائيل عن الملاحقة والبحث بكل الأدوات المتاحة؛ ففي عام 1994، جرى تنفيذ عملية خطف مصطفى الديراني من لبنان واقتياده إلى إسرائيل، حيث خضع لجلسات استجواب مطولة على أمل انتزاع معلومات حاسمة تكشف مصير آراد. بيد أن ما أفرج عنه من نتائج تلك الجلسات لم يضف جديدا ذا بال، وبقيت القضية معلقة في الهواء.
وفي موازاة ذلك، أجرت الاستخبارات الإسرائيلية على مدى سنوات طويلة سلسلة من التحقيقات السرية وعمليات جمع المعلومات، جاء بعضها عبر وسطاء وبعضها الآخر عبر اتصالات مباشرة بأطراف مختلفة، لكن النتيجة ظلت واحدة: لا دليل قاطع، ولا إجابة شافية.
بين الحياة والموت.. جدل لم يحسم
أفرزت هذه القضية على مدى عقود حالة فريدة من الغموض الرسمي المقنن؛ فبينما تشير تقديرات استخباراتية إسرائيلية إلى أن آراد ربما فارق الحياة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تذهب تقارير أخرى إلى أنه ظل حيا لسنوات إضافية قبل أن يلقى حتفه في ظروف مجهولة. وفي ظل غياب أي دليل مادي قاطع، حرصت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على الإبقاء على تصنيفه رسميا في خانة “مجهول المصير”، تقديرا إنسانيا لعائلته من جهة، وإبقاء على الملف مفتوحا من جهة أخرى.
وقد تحولت قضية رون آراد بمرور السنين إلى أيقونة وطنية في المجتمع الإسرائيلي، إذ يرى فيها كثيرون رمزا لواجب الدولة تجاه جنودها الذين يؤدون مهامهم بموجب أوامرها. وحافظت العائلة طوال هذه السنوات على حضور علني مؤثر، مطالبة بكشف الحقيقة ورفض إغلاق الملف بصمت، في مشهد إنساني تقاطع فيه الحزن الخاص مع الهم الوطني العام.
عملية النبي شيت: استمرار لمسار لم ينقطع
ما جرى في النبي شيت يمثل إذا حلقة جديدة في مسلسل البحث الإسرائيلي المتواصل، لا نقطة بداية. غير أن ما يميز هذه الحلقة هو توقيتها في خضم مشهد لبناني وإقليمي بالغ الهشاشة، وأسلوبها الذي يجمع بين التوغل الميداني المباشر والاستخدام الاستخباراتي لشخص يفترض أنه يمتلك مفاتيح اللغز.
وبينما تنتظر إسرائيل ما ستسفر عنه نتائج هذه العملية، يبقى السؤال الذي طالما أرق عائلة آراد والرأي العام الإسرائيلي معلقا في سماء النبي شيت: هل تعيد هذه الأرض البقاعية الليلة ما احتجزته طوال ثمانية وثلاثين عاما؟ أم أن الغموض سيلقي بظلاله مجددا، ويمضي الملف إلى سنوات أخرى من الانتظار؟










