خاص – المنشر الاخباري، 7 مارس 2026: لم تكن الضربات العسكرية وحدها هي ما يقض مضاجع القيادة الإيرانية في هذه المرحلة البالغة الدقة؛ فثمة جبهة أشد خطرا وأكثر التهابا تشتعل بعيدا عن أصوات المدافع، جبهة داخلية تتقاطع فيها خطوط الانقسام حول السلطة والخلافة وطبيعة الخطاب في زمن الحرب.
وما كشفته التصريحات المتضاربة الصادرة عن الرئيس مسعود بزشكيان والمؤسسة العسكرية خلال ساعات قليلة، تبعه تحرك ديني لافت وهجوم إعلامي حاد، ليلقي الضوء على تشقق يصعب إخفاؤه في واجهة النظام الإيراني الموحدة.
وكالة “مهر” تفتح الباب على مصراعيه
في خطوة نادرة من حيث توقيتها ومضمونها، بثت وكالة “مهر” شبه الرسمية تصريحا المرجع الشيعي حامد كاشاني، كسر فيه ما اعتاد عليه الخطاب الرسمي من تعمية وتحاش في كل ما يتعلق بملف الخلافة.
وقال كاشاني صراحة إن ما شهده ذلك اليوم من تباين علني في المواقف الرسمية يكشف أن مجلس القيادة القائم حاليا ليس سوى ترتيب مؤقت فرضته ظروف طارئة، مطالبا بالإسراع في حسم هوية المرشد الأعلى المقبل.
والوكالة التي اختارت نشر هذا الكلام ترتبط بالحكومة الإيرانية وتتبع “منظمة الدعوة الإسلامية”، مما يجعل نشر هذا النوع من التصريحات في هذا التوقيت رسالة ذات أبعاد لا تقرأ بمعزل عن السياق.
مراجع دينية بارزة تضغط على مجلس الخبراء
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ سارعت وكالة “تسنيم” شبه الرسمية، المعروفة بقربها الوثيق من “الحرس الثوري”، إلى نشر مواقف مماثلة لمراجع دينية ذات ثقل استثنائي.
فقد وجه آية الله نوري همداني رسالة مباشرة إلى مجلس خبراء القيادة، الهيئة المخولة دستوريا باختيار المرشد الأعلى، يطالبه فيها بتسريع اختيار القائد المقبل لإيران دون إبطاء، مع مراعاة ما تفرضه ظروف الحرب الراهنة من ضرورة الحسم.
ورأى همداني أن القرار السريع كفيل بتثبيط خصوم إيران، والحفاظ على الوحدة الداخلية، وتعزيز دعم القوات المسلحة في مواجهة ما تخوضه من معارك.
وفي السياق ذاته، أرسل آية الله ناصر مكارم شيرازي، أحد أبرز المراجع الدينية في إيران وأكثرها نفوذا، رسالة مماثلة إلى مجلس الخبراء يشدد فيها هو الآخر على ضرورة تسريع العملية، معللا ذلك بأن الحسم السريع سيعزز هيبة الدولة ويرسخ قدرتها على تنظيم شؤون الحكم بصورة أكثر فاعلية في مرحلة استثنائية بالغة الحساسية.
وتجدر الإشارة إلى أن صدور هذه الدعوات في هذا التوقيت بالذات، ومن هذه المراجع تحديدا، ليس حدثا عاديا في المشهد الإيراني.
فمجلس الخبراء يجد نفسه أمام ضغط منظم ومتصاعد من اتجاهات متعددة، تتشابك فيه الهواجس الأمنية المرتبطة بمخاطر استهداف تجمعات القيادة خلال النزاع، مع خلافات أعمق حول مسارات الخلافة ذاتها وهوية من يتصدرها.
“رجا نيوز” يسحب القناع: بزشكيان عبء في زمن الحرب
لكن الأكثر حدة في هذا المشهد جاء من موقع “رجا نيوز” المتشدد، الذي يعد صوتا معبرا عن توجهات الأجنحة الصقورية المحسوبة على معسكر “الحرس الثوري”.
فبعد وقت قصير من خطاب الرئيس بزشكيان التلفزيوني، نشر الموقع افتتاحية بعنوان صاعق لا يحتمل التأويل: “عبء على الروح الوطنية في وسط الحرب… اسحبوا الميكروفون من بزشكيان”، كاشفا بذلك عن هوة واسعة بين الخطاب الرئاسي وما تريده المؤسسة العسكرية والحرسية من صورة القيادة في زمن الحرب.
وتركزت الانتقادات أولا على اعتذار بزشكيان العلني لدول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، وهي الخطوة التي رآها “رجا نيوز” خطأ لا يغتفر في ظل ظروف الحرب، معتبرا أن أي إشارة إلى التهدئة أو المصالحة في وقت تستخدم فيه تلك القواعد في عمليات ضد إيران من شأنها إضعاف قوة الردع الإيرانية ومنح الخصوم ورقة للضغط.
وذهبت الافتتاحية إلى أن بزشكيان ودائرته المحيطة ما زالوا يتحركون ضمن ما وصفته بـ”دبلوماسية التوسل”، محولين رسالة كان يجب أن تعكس إرادة وطنية صلبة إلى مشهد من الارتباك وإظهار الضعف.
وانتقد الموقع بشدة أسلوب بزشكيان في توصيف العمليات العسكرية الأخيرة، إذ بدت صياغته كأنها تلمح إلى أن بعض الضربات جرت بمبادرات مستقلة من قادة ميدانيين، وهو ما اعتبره الموقع تصويرا يضر بصورة الردع الإيراني ويمنح خصوم طهران والمؤسسات الدولية مادة قانونية للطعن في حق إيران في الدفاع عن نفسها.
العسكر يتدخل لاحتواء الخطاب الرئاسي
وما كشفه “رجا نيوز” بصورة ضمنية يحمل دلالة بالغة الخطورة؛ إذ أشار إلى أن متحدث هيئة الأركان العامة ومستشارا لقائد “الحرس الثوري” سارعا، بعد وقت قصير من بث الخطاب الرئاسي، إلى إصدار توضيحات رسمية.
ووصفت الافتتاحية تلك التوضيحات بأنها كانت ضرورية لتصحيح كلام الرئيس واحتواء تداعياته، في مشهد يوحي بأن المؤسسة العسكرية لم تتردد في التدخل العلني لتصحيح مسار الخطاب الرسمي الصادر عن رأس السلطة التنفيذية.
وهذه الصورة، إن صحت قراءتها، تحمل معنى بعيد الأثر: فهي تعني عمليا أن الرئيس الإيراني لا يتحدث بصوت موحد مع المؤسسة العسكرية، وأن الهوة بين القيادتين السياسية والعسكرية باتت مرئية بصورة علنية في لحظة تحتاج فيها إيران أكثر من أي وقت مضى إلى إيهام الخصوم بتماسكها.
حرب الروايات: من يملك المنبر؟
وخلصت افتتاحية “رجا نيوز” إلى مطالبة صريحة بضرورة إسناد المنابر الرسمية، إلى حين اختيار “القائد الثالث للثورة الإسلامية”، إلى شخصيات تعكس صورة القوة وتنسجم مع خطاب المؤسسة العسكرية، في موقف يكشف أن الجدل لم يعد يدور حول السياسات وحسب، بل امتد ليطال السؤال الأعمق: من يملك حق الكلام باسم الثورة في أحلك لحظاتها؟
وحرصت الافتتاحية في ختامها على إرسال رسالة مزدوجة: الأولى داخلية، تدعو إلى وحدة الخطاب وتجاوز ما وصفته بإحباط الأنصار.
والثانية خارجية، تحذر فيها الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين من تفسير ما يبدو من تباين داخل إيران على أنه علامة ضعف، مؤكدة أن إرادة القوى الثورية في الرد لا تزال قائمة وحاضرة.
قراءة في المشهد: ما الذي يجري فعلا؟
تلقي هذه التطورات مجتمعة بظلالها على مرحلة بالغة الدقة في تاريخ إيران الراهن، فمجلس القيادة المؤقت الذي يدير البلاد في غياب المرشد يجد نفسه بين فكي كماشة: ضغط ديني يطالبه بحسم ملف الخلافة في أسرع وقت، وضغط عسكري وإعلامي يرفض أي خطاب يراه ضعيفا أو متخاذلا في مواجهة الخصوم.
وفيما يبدو أن الأجنحة الصقورية المحسوبة على “الحرس الثوري” تجد في بزشكيان نموذجا لا ينسجم مع متطلبات المرحلة، يبدو المشهد الداخلي الإيراني أقرب إلى مرحلة إعادة توزيع للأدوار والأوزان منه إلى أزمة مفتوحة، لكنه في الوقت ذاته أكثر هشاشة مما تريد طهران أن تظهره للعالم.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي تحرص إيران على إبقائه طي الكتمان معلقا في فضاء المشهد: هل تملك منظومة الحكم الإيرانية ما يكفي من التماسك لاجتياز هذه المرحلة دون أن تتحول التشققات المرئية إلى صدوع عميقة لا تلأم؟










