طهران- المنشر الاخباري| 2026: دخلت إيران مرحلة هي الأخطر في تاريخها الحديث، فبينما كانت ألسنة اللهب لا تزال تتصاعد من خزانات الوقود في أصفهان وطهران، شهدت كواليس الحكم في “قم” و”طهران” حراكا دستوريا وأمنيا استثنائيا.
و في اليوم التاسع للمواجهة العسكرية الشاملة، أعلن مجلس الخبراء الإيراني عن توصله إلى “توافق نهائي” لاختيار خليفة للمرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، الذي قتل في الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦.
توافق بلا إعلان.. المجلس يقرر في الظل
في تطور لافت نقلته وسائل الإعلام الإيرانية وأكده عدد من أعضاء مجلس الخبراء، أعلن المجلس يوم الأحد الثامن من مارس 2026 أن أغلبية أعضائه باتت متوافقة حول اسم الخليفة الجديد للمرشد الراحل.
وكان آية الله محمد مهدي ميرباقري، عضو المجلس البارز، أوضح الصورة حين أكد أن “أغلبية أعضاء مجلس الخبراء توصلوا إلى توافق في الآراء بشأن اختيار خليفة”، مشيرا في الوقت ذاته إلى وجود عقبات إجرائية وعملية تحول دون الإعلان الرسمي الفوري.
وذهب أحمد عالم الهدى، إمام الجمعة في مشهد وعضو المجلس، إلى أبعد من ذلك في تصريحاته، إذ قطع بأن المجلس اتخذ قراره الحاسم، واصفا الشائعات التي تتحدث عن غياب التوافق بأنها “أكاذيب مطلقة”، ومؤكدا أن الدستور الإيراني لا يتيح حتى لأعضاء المجلس أنفسهم التراجع عن قرارهم بعد اتخاذه.
غير أن الإعلان الرسمي الذي تتولى مسؤوليته أمانة مجلس الخبراء برئاسة آية الله هاشم حسيني بوشهري، لم يصدر حتى اللحظة، في ظل جملة من العوائق التي تفرضها طبيعة الحرب وما تملي من اشتراطات أمنية صارمة.
الظروف الاستثنائية تعقد الإجراءات الدستورية
تواجه عملية نقل السلطة في إيران تحديات غير مسبوقة، إذ تفرز ظروف الحرب قيودا جوهرية على ما يقتضيه الدستور من اجتماع رسمي حضوري لأعضاء المجلس في مكان واحد.
وتشير المعلومات إلى أن محاولات عقد اجتماع المجلس في مدينة قم باءت بالفشل مؤقتا، نظرا للتهديدات الأمنية المتصاعدة التي تلقي بظلالها الثقيلة على أي تجمع لهذا الحجم في مثل هذه الظروف.
وفي انتظار اكتمال إجراءات نقل السلطة الرسمي، تتولى قيادة البلاد مجلس قيادة مؤقت مؤلف من ثلاثة أعضاء، هم: الرئيس مسعود بيزكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجي، وفقيه مجلس صيانة الدستور علي رضا عرفي، وهو ترتيب دستوري استثنائي لم تشهده إيران من قبل في ظروف مشابهة.
مجتبى خامنئي.. الاسم الأبرز
على صعيد الأسماء المتداولة لشغل منصب المرشد الأعلى الجديد، تتصدر المشهد تقارير متعددة تشير إلى مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، باعتباره الاسم الذي جرى اختياره تحت ضغط مباشر من قيادة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما تؤكده مصادر في أوساط المعارضة الإيرانية.
بيد أن هذا الترجيح يكتنفه غموض بالغ، إذ تشير بعض التقارير إلى أن مجتبى خامنئي ربما أصيب، بل يذهب بعضها إلى احتمال مقتله في محاولة الاغتيال الأخيرة، وإن كان هذا لم يؤكد رسميا من أي جهة معنية حتى الآن.
وفي حال صحت هذه الروايات المتعلقة بمصير مجتبى، فإن المشهد سيتسع لأسماء أخرى تطرح بجدية، من بينها علي رضا أعرافي عضو مجلس القيادة المؤقت، ومحمد مهدي ميرباقري الذي وصف بعض المحللين توجهاته الفكرية بأنها تجمع بين الرؤية الحضارية والنظرة الكارثية لطبيعة المواجهة مع الغرب.
إسرائيل تهدد المجلس مباشرة.. “سنلاحق الخليفة”
في مشهد غير مسبوق في تاريخ الصراعات الإقليمية، أقدم الجيش الإسرائيلي على توجيه رسالة تحذيرية مباشرة لأعضاء مجلس الخبراء الإيراني باللغة الفارسية، محذرا من أنه سيستهدف المجلس وكل من يشارك في عملية اختيار الزعيم الجديد.
وجاء في الرسالة الإسرائيلية تصريح صريح: “سنلاحق أي خليفة وأي شخص متورط ولن نتردد في استهدافهم”، في إشارة لا تحتمل اللبس إلى أن تل أبيب تعتبر عملية نقل السلطة الإيرانية نفسها هدفا عسكريا مشروعا.
وقد جاء هذا التحذير في سياق أوسع يشمل قيام إسرائيل فعليا باستهداف مبنى مجلس الخبراء في مرحلة سابقة من العمليات، مما أضفى على التهديد مصداقية ميدانية حولته من تحذير نظري إلى احتمال ماثل يقيد حركة أعضاء المجلس ويعيق انعقاد اجتماعاته الرسمية.
اليوم التاسع.. والحرب تتصاعد على كل الجبهات
يأتي هذا التطور الدستوري الحاسم في خضم يوم تاسع مشتعل على جبهات متعددة، إذ واصلت إسرائيل ضرباتها الجوية التي طالت خزانات الوقود في أصفهان وطهران، فيما ردت إيران بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ باليستية استهدفت قواعد عسكرية في المنطقة.
وتكشف هذه التبادلات المتصاعدة أن الطرفين لا يزالان يمتلكان قدرات هجومية فاعلة، وإن كانت التقديرات الغربية تشير إلى تراجع ملموس في الطاقة القتالية الإيرانية مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة.
الاستقرار السريع أم التعقيد المتراكم؟
يجمع المراقبون على أن المنظومة السياسية الإيرانية تواجه اختبارا وجوديا حقيقيا في هذه اللحظة الفارقة، إذ يتعين عليها استيعاب صدمة فقدان مرشدها الأعلى في ظروف الحرب، وتنظيم عملية خلافة دستورية معقدة في وقت تتوالى فيه الغارات وتتقلص فيه هامش المناورة.
ويرجح كثيرون أن يصدر الإعلان الرسمي عن الخليفة الجديد خلال الساعات أو الأيام القليلة المقبلة، تحت وطأة الحاجة الملحة إلى استعادة وحدة القرار وتوحيد القيادة في مواجهة حرب لم تضع أوزارها بعد، وفي مواجهة عدو يعلن صراحة أنه يترقب هذه اللحظة ليجعلها هدفا جديدا على قائمة استهدافاته المتمددة.










