في خضم حرب تتصاعد جبهاتها يوما بعد يوم، تظل جزيرة صغيرة في الخليج العربي بمنأى عن الضربات، محاطة بهالة من الحسابات المتضاربة التي تجعلها في الوقت ذاته الهدف الأكثر إغراء والأشد خطورة على طاولة صانعي القرار في واشنطن.
جزيرة خارك الإيرانية، التي تعالج 90% من صادرات إيران النفطية، باتت وفق ما كشفه موقع أكسيوس نقلا عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية موضع نقاش جدي لا مجرد تخطيط للطوارئ، في مؤشر على أن الحرب تقترب من لحظة فارقة قد تحولها من صراع إقليمي محدود إلى كارثة اقتصادية عالمية شاملة.
90% من النفط الإيراني.. في جزيرة واحدة
لا تحتاج أهمية خارك إلى كثير من الشرح، فالأرقام تتكلم بوضوح مطلق. تعالج هذه الجزيرة الصغيرة ما يقارب 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، بما يعادل نحو مليوني برميل يوميا وفق طاقتها الإنتاجية قبل اندلاع الحرب. وتمول عائدات هذا النفط ما يقارب 40% من الميزانية الحكومية الإيرانية بأسرها، بما فيها الرواتب التي تعيل 31 قيادة إقليمية للحرس الثوري المنتشرة على امتداد الجغرافيا الإيرانية
هذا التركيز الاستثنائي للثروة الإيرانية في بقعة جغرافية محدودة هو ما يجعل خارك “الخط الأحمر الأعظم” في هذه الحرب، إذ يعني الاستيلاء عليها أو تدميرها ببساطة إفلاس الدولة الإيرانية بين عشية وضحاها، وانهيار قدرتها على تمويل آلتها العسكرية ودفع رواتب قواتها ومواصلة الحرب. وهو ما يجعلها نظريا الهدف الوحيد الذي يسهم تدميره في إنهاء الحرب أكثر من جميع الضربات الجوية مجتمعة.
من 1979 إلى 2026.. تغيرت الحسابات العسكرية
ليست هذه المرة الأولى التي تطرح فيها خارك على طاولة التخطيط الأمريكي. ففي عام 1979، في أعقاب الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن، وضعت إدارة كارتر خططا طارئة للاستيلاء على الجزيرة، قبل أن ترفضها في نهاية المطاف بسبب تعقيداتها العملياتية ومخاطرها الهائلة في مواجهة إيران التي كانت تمتلك حينها منظومة دفاعية شبه سليمة.
في 2026، تبدلت الحسابات العسكرية تبدلا جوهريا. فوفق التقديرات الإسرائيلية، دمر أكثر من 80% من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في الضربات الأولى للعملية المشتركة، وتراجعت قوة البحرية الإيرانية بصورة ملموسة، فيما تتمتع الولايات المتحدة بتفوق جوي شبه كامل في المنطقة. هذا التحول يعني أن العملية التي كانت تعد شبه مستحيلة قبل نصف قرن باتت اليوم قابلة للتنفيذ من الناحية العسكرية البحتة.
لكن الحسابات الاقتصادية لم تتغير، وهنا تقع مأزق القرار الأمريكي الحقيقي.
ثمن الانتصار.. ركود عالمي وبرميل بـ150 دولارا
يدرك المخططون الأمريكيون جيدا أن الاستيلاء على خارك سيفضي حتميا إلى إخراج النفط الخام الإيراني من الأسواق العالمية لسنوات لا لأسابيع، لأن إعادة بناء البنية التحتية لتحميل النفط في عرض البحر في ظروف الحرب تستلزم إعادة بناء شاملة تمتد لفترات طويلة. وفي سوق نفط عالمي يرزح أصلا تحت وطأة اضطرابات مضيق هرمز ويسجل أسعارا لم يشهدها منذ 1982، سيدفع هذا الخيار خام برنت نحو 150 دولارا للبرميل أو أكثر، وهو سعر كاف لإشعال ركود تضخمي عالمي حاد.
والمفارقة الحادة أن الولايات المتحدة ستكون حينئذ هي من أشعلت الركود الذي تسعى جاهدة لتجنبه. وهو ركود لن تتحمله وحدها، بل ستتشاركه مع حلفائها الأوروبيين والآسيويين الذين يعتمدون على استقرار أسواق الطاقة لنمو اقتصاداتهم، مما يعرض التحالف الغربي الداعم للعملية لضغوط داخلية شديدة.
ويضاف إلى ذلك ما يمثله هذا الخيار من هبة استراتيجية للصين، التي تجد نفسها في الوقت الراهن في موقف المتفرج الحذر دون مبرر كاف للتصعيد المباشر. فالاستيلاء على خارك سيزود بكين بذريعة مثالية لتصعيد دعمها لطهران أو اتخاذ خطوات أكثر حدة في مناطق توتر أخرى كبحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، وهو آخر ما يحتاجه البيت الأبيض في هذه المرحلة.
أكسيوس يكشف.. والتسريب رسالة في حد ذاته
ما يضفي على هذا الكشف أهمية تتجاوز مضمونه المباشر هو أن موقع أكسيوس تلقى هذه المعلومات من مصادر داخل الإدارة الأمريكية ذاتها، وهو ما يعني في لغة السياسة أن النقاش حول هذا الخيار انتقل من دهاليز التخطيط السري إلى مرحلة التسريب المقصود، وهي في العادة المرحلة التي تسبق القرار أو التي يختبر فيها ردود الفعل الداخلية والدولية قبل اتخاذه.
والتسريب في حد ذاته رسالة متعددة المستويات: رسالة لطهران بأن واشنطن تفكر جديا في الخيار الأقسى، ورسالة للحلفاء بأنهم يجب أن يستعدوا لسيناريوهات أكثر تطرفا، ورسالة للرأي العام الأمريكي لاستطلاع مدى قبوله لهذا التصعيد.
معادلة ترامب.. الاستسلام أو الهاوية
يكشف تقرير أكسيوس أيضا عن النقاش الأشمل الذي يدور في دوائر صنع القرار الأمريكي حول الهدف النهائي من هذه الحرب. فترامب طالب علنا بالاستسلام غير المشروط من إيران، لكن طهران رفضت أي تفاوض حتى اللحظة وواصلت إطلاق صواريخها وموجاتها الهجومية المتتالية. والحملة الجوية، مهما بلغت دقتها وتطورها التقني، لم تفض حتى اليوم التاسع من الحرب إلى أي مؤشر على استعداد إيراني للاستسلام.
هذه المعادلة المسدودة تولد ضغطا متصاعدا نحو التصعيد وتدفع إلى إعادة النظر في خيارات كانت مرفوضة سابقا بسبب ارتفاع تكلفتها. وخارك تقف في قمة هذه الخيارات المرفوضة، بكل ما تحمله من ثقل استراتيجي وخطر اقتصادي.
خارك.. مقياس مسافة واشنطن من الهاوية
خلص المحللون الذين تابعوا هذا الملف إلى صياغة واضحة وبليغة: جزيرة خارك هي مقياس لمدى استعداد الولايات المتحدة للذهاب بعيدا في هذه الحرب. والنقاش الجاري حولها هو الإشارة، أما الاستيلاء عليها إن حدث فهو اللحظة التي تتحول فيها هذه الحرب من صراع إقليمي مهما بلغت ضراوته إلى أزمة اقتصادية عالمية شاملة تطال كل اقتصاد على وجه الأرض دون استثناء.
والعالم يترقب مسار هذا القرار وهو يدرك أن الفارق بين الخيارين ليس مجرد فارق في درجة التصعيد العسكري، بل فارق بين مستقبلين مختلفين جذريا لمنظومة الاقتصاد العالمي التي بنتها البشرية على مدى عقود من التكامل والترابط.










