أشعلت واقعة غير مسبوقة فتيل جدل واسع في الأوساط السياسية والاجتماعية الموريتانية، بعد تداول صور ومقاطع فيديو من مأدبة إفطار أقامها حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” الإخوان المسلمين في موريتانيا، ظهر فيها عدد من الحاضرين وهم يقبلون يد السفير الإيراني لدى موريتانيا حسن عليان، في مشهد استدعى موجة عارمة من الانتقادات والتساؤلات حول توقيته ودلالاته في خضم الحرب الإيرانية المشتعلة على دول خليجية عربية تمثل الداعم الاقتصادي الأول لموريتانيا.
الصور تنتشر.. والجدل يشتعل
أفاد متابعون للمناسبة بأن الحضور الكبير الذي شهده الإفطار أدى إلى اكتظاظ لافت، ما دفع المنظمين إلى ترتيب الحاضرين في طوابير منظمة لإتاحة الفرصة للجميع للمصافحة وتقديم التعزية للسفير الإيراني في وفاة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي لقي حتفه في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك.
غير أن ما بدا في الصور المتداولة تجاوز حدود المصافحة الرسمية إلى مشهد وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى التبجيل منه إلى المجاملة الدبلوماسية المتعارف عليها.
وسرعان ما انتشرت هذه الصور على منصات التواصل الاجتماعي الموريتانية كالنار في الهشيم، مفجرة موجة واسعة من التعليقات والانتقادات التي تتقاطع في محور واحد: استغراب هذا المشهد من حزب اخواني في توقيت تشن فيه إيران هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة على دول خليجية عربية تربطها بموريتانيا علاقات وثيقة وتمثل ركيزة اقتصادية أساسية للبلاد.
وأكد عدد من الموريتانيين الذين تفاعلوا مع الحدث أن مثل هذه المظاهر “لا تعكس الأعراف السياسية والدبلوماسية المتعارف عليها في البلاد”، فيما وصفها بعضهم بأنها “غير مسبوقة” في تاريخ الحياة السياسية الموريتانية.
إفطار بدر.. واحتفاء بالسفير الإيراني
أقام حزب “تواصل” مساء الجمعة إفطاره السنوي إحياء لذكرى غزوة بدر الكبرى، وحضره رؤساء أحزاب سياسية وأئمة وإعلاميون وكتاب ومدونون وممثلو مجتمع مدني، في تجمع وصف بأنه واسع ومتنوع. وأجلس السفير الإيراني على مقربة من رئيس الحزب في المائدة الرئيسية، في دلالة رمزية لافتة على المكانة التي منحت له في هذه المناسبة.
وتحدث رئيس الحزب حمادي سيد المختار في كلمته عن الذكرى التاريخية بلغة استحضار الماضي لمواجهة الحاضر، قائلا إن الأمة الإسلامية تمر بـ”مرحلة غير مسبوقة” تتجاذبها الصراعات وتنهشها الانقسامات، معددا في سياق واحد “من فلسطين إلى إيران ومن لبنان إلى السودان ومن اليمن إلى أفغانستان”، في خطاب يضع إيران ضمن منظومة القضايا الإسلامية التي تستدعي التضامن.
وشدد سيد المختار على ضرورة “استعادة معنى الأخوة وتجديد روح التضامن والالتفاف حول المشتركات الكبرى”، في خطاب يبدو وفق المنتقدين وكأنه يضفي غطاء دينيا وسياسيا على العلاقة مع طهران في لحظة تخوض فيها إيران حربا مع دول عربية حليفة لنواكشوط.
موجة انتقادات حادة.. والخليج في القلب
لم تتأخر ردود الفعل الغاضبة، وكان في مقدمتها ما أطلقه الكاتب الإسلامي جمال سلطان، الذي وجه انتقادا لاذعا مباشرا للحزب، مستنكرا أن “الإخوان المسلمين في موريتانيا يحتفلون بالسفير الإيراني ويجلسونه بجوار رئيس الحزب في المائدة الرئيسية، ويتبارون في تقبيل يده إظهارا للتكريم والتعظيم”، وذلك كما وصفه “في الوقت الذي تقصف فيه إيران السعودية وتحرق الإمارات وبقية دول الخليج”.
وتكتسب هذه الانتقادات ثقلا إضافيا حين توضع في سياق طبيعة العلاقات الاقتصادية الموريتانية الخليجية. فالاقتصاد الموريتاني يعتمد اعتمادا بنيويا عميقا على المعونات والاستثمارات الخليجية، لا سيما السعودية والإماراتية منها، عبر آليات متعددة من بينها مجموعة التنسيق العربية الخليجية والصندوق السعودي للتنمية وصندوق أبوظبي للتنمية ومركز الملك سلمان للإغاثة. بل إن قطاعات جوهرية كالتعدين والصحة والتعليم والطاقة والبنية التحتية في موريتانيا تعتمد بصورة واسعة على هذا الدعم الخليجي، مما يجعل المشهد المتداول من حفل “تواصل” أشد إشكالية من منظور المصلحة الوطنية الموريتانية.
ويرى المنتقدون أن الحزب وضع نفسه في موقع بالغ الحرج، إذ يصعب تبرير هذا الاحتفاء الصريح بممثل دولة تشن هجمات على دول خليجية تعد الداعم الاقتصادي الأول لموريتانيا، في ظل موجة إقليمية واسعة من الإدانات العربية للسياسات الإيرانية.
صمت رسمي وتساؤلات مفتوحة
اللافت أن الجهات المنظمة للحفل لم تصدر حتى لحظة إعداد هذا التقرير أي توضيح رسمي حول طبيعة المناسبة أو خلفياتها أو الدوافع التي قادت إلى هذا الاحتفاء بالمستوى الذي ظهر في الصور، في حين يتواصل الجدل بزخم متصاعد على منصات التواصل الاجتماعي ويتسع ليشمل أصواتا من مختلف التيارات السياسية والفكرية الموريتانية.
وتبقى تساؤلات جوهرية معلقة دون إجابة: هل يعكس هذا المشهد موقفا سياسيا واضحا من الحزب إزاء الحرب الإيرانية ودول الخليج؟ وكيف سيؤثر على علاقات موريتانيا مع شركائها الخليجيين الذين يتابعون عن كثب ردود الأفعال الرسمية والحزبية في البلدان التي يدعمونها؟ وهل ستبادر قيادة “تواصل” إلى تقديم توضيح يخفف من وطأة ما أثارته هذه الواقعة قبل أن تتحول إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية تتجاوز حدود الجدل الداخلي؟









