دخلت العاصمة الإيرانية طهران في مواجهة مزدوجة مع الكارثة، إذ لم تكد تلتقط أنفاسها من هول الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت خزانات الوقود مساء السادس من مارس 2025، حتى وجدت نفسها أمام تهديد بيئي وصحي من نوع آخر، بعد أن حذرت منظمة الهلال الأحمر الإيراني من احتمال هطول أمطار حمضية بالغة الخطورة على المدينة وسكانها، في حين لا تزال النيران مشتعلة في تلك الخزانات بعد مرور نحو عشر ساعات على اندلاعها.
نيران لا تطفأ ودخان يكتسح السماء
على مدار ساعات طويلة امتدت حتى صباح اليوم السابع عشر من مارس، ظلت خزانات الوقود المستهدفة تلفظ ألسنة النيران دون أن تفلح فرق الإطفاء في إخمادها كليا، وهو مشهد نقلته مقاطع الفيديو المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح لافت، إذ يبدو الدخان الأسود الكثيف وقد أسدل ستاره الخانق على أرجاء واسعة من سماء العاصمة الإيرانية، محولا النهار إلى ما يشبه الغسق في بعض الأحياء.
وأشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن عمليات الإطفاء تسير بصعوبة بالغة في ظل استمرار الحرائق وتعذر السيطرة الكاملة عليها، مما يبقي المدينة في حالة من الترقب والقلق المتصاعد.
الهلال الأحمر يطلق صافرة الإنذار
وفي خضم هذا الوضع الحرج، أصدر الهلال الأحمر الإيراني بيانا تحذيريا عاجلا، كشف فيه عن بعد آخر للكارثة لم يكن في حسبان كثيرين، وهو خطر الأمطار الحمضية التي باتت تلوح بها السحب المثقلة بعوادم الحرائق.
وأوضح البيان أن “انفجار منشآت تخزين النفط يتسبب في دخول كميات ضخمة من المركبات السامة إلى الغلاف الجوي والسحب”، من بينها الهيدروكربونات وأكاسيد الكبريت والنيتروجين، وهي مواد تتحد مع بخار الماء في الغيوم لتنتج أمطارا شديدة الحموضة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بكل ما تلامسه.
ولم يتوقف التحذير عند هذا الحد، بل ذهب الهلال الأحمر إلى التفصيل في وصف المخاطر الصحية المحتملة لهذه الأمطار، مؤكدا أنها قادرة على إحداث حروق كيميائية مؤلمة على الجلد عند ملامستها مباشرة، فضلا عن أضرار بالغة الخطورة قد تطال الجهاز التنفسي والرئتين عند استنشاق الهواء الملوث بمخلفاتها.
تعليمات الوقاية.. خطوات يجب اتباعها
وأمام هذه المخاطر غير المسبوقة، بادر الهلال الأحمر إلى تزويد المواطنين بإرشادات وقائية واضحة ومحددة، في مقدمتها ضرورة تجنب الخروج في حال هطول المطر، وإن حدث التعرض لرذاذه فلا يجوز فرك الجلد أو حكه تحت أي ظرف من الظروف، بل يجب غسل المنطقة المتضررة فورا بتيار مستمر من الماء البارد النظيف.
كما حث الهلال الأحمر على ضرورة تغيير الملابس المبللة بالمطر في أقرب وقت ممكن، ووضعها في أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق حتى لا تتسبب في تلويث المنزل أو الإضرار بالمقيمين فيه. وشدد البيان على أهمية توخي الحذر الشديد لدى الفئات الأكثر هشاشة، كالأطفال وكبار السن وذوي الأمراض التنفسية المزمنة.
منظمة البيئة تدعو للبقاء في المنازل
وبالتوازي مع تحذيرات الهلال الأحمر، أصدرت منظمة حماية البيئة الإيرانية توجيهات مشددة طالبت فيها سكان طهران بتجنب الأنشطة الخارجية غير الضرورية والالتزام بالبقاء داخل منازلهم قدر المستطاع، وذلك بحسب ما أسمته “الظروف الاستثنائية الراهنة” ودخول موجة التلوث إلى حدود المدينة بشكل ملموس.
وتزداد المخاوف حدة مع اقتراب فصل الأمطار وتقلب أحوال الطقس في المنطقة، مما يجعل سيناريو الأمطار الحمضية احتمالا علميا جديا وليس مجرد تخوف افتراضي.
طهران بين فكي كماشة
تجد العاصمة الإيرانية نفسها اليوم في موقف بالغ الحساسية والخطورة، إذ تتزاحم عليها أزمات من أطراف متعددة؛ فعلى الصعيد الأمني، لم تبرد جراح الهجمات بعد، وعلى الصعيد البيئي، تحاصر المدينة سحب الدخان السام، وعلى الصعيد الصحي، يقف المواطنون على حافة خطر الأمطار الحمضية التي قد تحمل معها ما لا تحمد عقباه.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يتساءل كثير من المراقبين عن مدى قدرة الجهات المعنية على احتواء هذا الوضع الاستثنائي الذي يبدو أنه يفرض على طهران اختبارا صعبا في إدارة الأزمات على أكثر من صعيد في آن واحد.










