أربيل– في مشهد يكشف أن إقليم كردستان العراق بات ساحة للردود الإيرانية غير المباشرة في خضم التصعيد الإقليمي المتواصل، شهدت محافظة السليمانية فجر الأحد الثامن من مارس 2026 هجوما جديدا استهدف مقر قوات السبعين التابعة لقوات البيشمركة غربي المدينة، وذلك في الهجوم الثاني خلال أقل من ساعة واحدة، في ما يشير بوضوح إلى أننا أمام عملية مركبة ومتعمدة لا حادثة معزولة، ضمن موجة تصعيد متصاعدة تضرب الإقليم منذ مطلع الشهر الجاري.
قوات السبعين في مرمى النار
قوات السبعين، المعروفة أيضا بـ”اللواء السبعين”، وحدة عسكرية كردية راسخة ترتبط تاريخيا بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ويتمركز مقرها الرئيسي في محيط السليمانية.
وبحسب تقارير متداولة على منصة إكس رفقة مقاطع مصورة تظهر دوي انفجارات وآثار الضربة، جاء الهجوم الثاني خلال الفترة الزمنية ذاتها مما يرجح استخدام طائرات مسيرة مفخخة أو صواريخ في ضربة مزدوجة تهدف إلى تعظيم الأثر والإفلات من منظومات الدفاع والرصد.
ولم تصدر وزارة البيشمركة أو حكومة إقليم كردستان تأكيدا رسميا فوريا بشأن هذا الهجوم بالذات في ساعاته الأولى، غير أن التقارير الإعلامية المحلية والمقاطع المتداولة تشير بثقة إلى وقوعه، فيما لا تزال الخسائر البشرية غير محددة بشكل قاطع حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
موجة هجمات منذ مطلع مارس
لا يمكن قراءة ما جرى فجر الأحد بمعزل عن سلسلة متصلة من الهجمات التي تضرب الإقليم منذ أيام. ففي الأيام الأخيرة وحدها، سجلت ضربات طالت مقر الفرقة الحادية عشرة للبيشمركة قرب منطقة ديگلة في محافظة أربيل، إضافة إلى مواقع في السليمانية شملت منطقتي زرگويز ودوكان.
وقد أسفرت بعض هذه الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المقاتلين الكرد، وإن تفاوتت الأرقام بين الحوادث المختلفة.
وإلى جانب استهداف مواقع البيشمركة الرسمية، كثفت إيران عبر الحرس الثوري هجماتها على مقرات المجموعات الكردية الإيرانية المعارضة المتمركزة داخل حدود الإقليم، ومن أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كومله وحزب باك.
وقد استخدمت في هذه الهجمات صواريخ باليستية وطائرات مسيرة في توليفة هجومية تشير إلى تخطيط مسبق وليس ردود فعل عشوائية.
وتبرر طهران هذه الضربات بتقارير تتحدث عن تحركات هذه المجموعات المعارضة وما يوصف بمشاوراتها مع واشنطن وتل أبيب في ظل التصعيد الإقليمي القائم.
البيشمركة تحذر.. وبغداد مطالبة بالتدخل
وأمام هذا المنسوب المرتفع من الاعتداءات، لم تصمت وزارة البيشمركة؛ إذ أصدرت بيانات تحذيرية صريحة أكدت فيها أن “الأعمال الإرهابية لن تمر دون رد”، طالبة في الوقت ذاته من الحكومة الاتحادية في بغداد التدخل الفعال لوقف هذه الاعتداءات التي تنتهك سيادة الأراضي العراقية.
وهذه المطالبة تحمل دلالة مزدوجة: فهي من جهة تقر بأن أربيل وحدها لا تملك القدرة الكاملة على مواجهة هذا المستوى من التصعيد، ومن جهة أخرى تضع بغداد أمام مسؤوليتها الدستورية والسيادية في حماية كامل أراضي الدولة العراقية من الاختراق الخارجي.
كردستان: ساحة للحروب بالوكالة
ويكشف تحليل هذا التصعيد أن إقليم كردستان العراق يجد نفسه في موقع بالغ الهشاشة ضمن المعادلة الإقليمية الراهنة؛ فهو يحتضن مجموعات كردية إيرانية معارضة لطالما شكلت مصدر قلق لطهران، ويستضيف في الوقت ذاته علاقات وثيقة مع واشنطن وأجهزتها الاستخباراتية.
وكلا العاملين يجعلانه هدفا استراتيجيا جذابا لطهران في سياق ردودها على التصعيد الأمريكي الإسرائيلي، إذ يوفر ضرب الإقليم ورقة ضغط غير مباشرة على واشنطن دون الانزلاق إلى مواجهة حدودية مباشرة مع الجيش الأمريكي.
والمفارقة الصعبة التي يعيشها الإقليم أنه لم يكن طرفا في الحرب الدائرة، غير أن موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته يجعلانه يدفع ثمنها بدماء مقاتليه ودمار منشآته.
تصعيد بلا سقف واضح
وتأتي هذه الهجمات في سياق التوتر الإقليمي الأشمل الذي تعيشه المنطقة؛ حيث تتواصل المعارك بين إيران وإسرائيل بدعم أمريكي، وتشتعل حرب المنشآت النفطية، ويرزح مضيق هرمز تحت ضغط الإغلاق شبه الكامل.
وفي هذه البيئة الإقليمية المشتعلة، يغدو إقليم كردستان حلقة في سلسلة ردود متشابكة، تجعل من استقراره رهينة لمسار أزمة أوسع لم تسفر المساعي الدبلوماسية حتى الآن عن أي بوادر لاحتوائها.











