في قلب السودان الجغرافي، حيث تلتقي خطوط الإمداد وتتشابك مصائر الحرب، تحولت ولايات كردفان الثلاث إلى ساحة القرار في أطول وأدمى الصراعات التي تعصف بالقارة الأفريقية منذ عقود.
فما بدأ حربا في الخرطوم ودارفور، بات يحسم اليوم على أرض كردفان، ذلك الإقليم الذي يتوسط البلاد جغرافيا ويربط عاصمتها بأقاليمها الغربية النائية، والذي تحول من ساحة معارك هامشية إلى “جسر الإمداد” الاستراتيجي الذي لا غنى عنه لأي طرف يسعى إلى حسم المعركة لصالحه.
الخارطة الميدانية.. بارا وما وراءها
تصف تقارير صادرة عن مصادر متخصصة بمتابعة الشأن الأفريقي المشهد الميداني في كردفان بأنه الأكثر تعقيدا وتقلبا في خارطة الحرب السودانية بأسرها.
ففي الخامس من مارس الجاري، أعلن الجيش السوداني استعادة مدينة “بارا” في شمال كردفان، وهي نقطة ارتكاز استراتيجية ذات ثقل محوري على خارطة المواجهة، كانت قوات الدعم السريع تحكم قبضتها عليها منذ فترة.
وبالنسبة للجيش، تمثل استعادة بارا أكثر من مجرد انتصار ميداني محلي، فهي تعني استرداد حلقة مهمة في سلسلة التواصل البري بين الخرطوم والغرب السوداني، وإضعاف قدرة قوات الدعم السريع على تحريك قواتها وإمداداتها بحرية.
غير أن الميدان لم يقابل هذا التقدم بصمت، إذ ردت قوات الدعم السريع بتصعيد في أسلوب المواجهة، وتحديدا في “حرب المسيرات” التي باتت تشكل منعطفا تكتيكيا في أسلوب القتال السوداني.
وقد استهدف هجوم بطائرة انتحارية مسيرة مبنى حكوميا في مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، وهو ما وصفته السلطات المحلية بأنه عمل إرهابي تقف وراءه قوات الدعم السريع، كاشفا عن تحول نحو الاستهداف عن بعد بعد أن ضاقت مساحة المواجهة المباشرة.
الدلنج تنز دما.. 28 قتيلا في ضربة واحدة
لكن الصورة الأكثر قتامة تأتي من جنوب كردفان، حيث تعيش مدينة “الدلنج” مأساة إنسانية متصاعدة تكاد تكون مكتملة الأركان.
فقد تعرضت المدينة لقصف مدفعي وجوي مكثف أسفر عن مقتل 28 شخصا وإصابة 60 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في مشهد لم يفرق بين مقاتل وامرأة أو طفل.
وتأتي هذه الضربة الدامية في أعقاب هجمات مماثلة طالت مناطق مدنية في الأيام السابقة، مما يشير إلى نمط ممنهج من الاستهداف يزداد حدة مع كل جولة من المعارك.
وتزيد من هول المشهد انقطاعات الاتصالات الحادة التي تعيق إجراء أي تحقق مستقل من الأرقام الحقيقية للضحايا، مما يرجح أن الحصيلة الفعلية أكبر مما يعلن في كثير من الأحيان.
وفي غرب كردفان، انتقل ثقل العمليات إلى مدينة “المجلد” الواقعة جنوب “بابنوسة”، تلك المدينة التي سقطت بيد قوات الدعم السريع في نوفمبر 2025 في ضربة وجهت مسار المواجهة نحو التعمق في الجغرافيا الكردفانية. والمجلد اليوم ليست مجرد نقطة عسكرية، بل بوابة تهدد أو تحصن خطوط الامتداد الجنوبي لقوات الدعم السريع في هذا الشريط الحيوي.
“الجنون”.. شهادة أممية من قلب الكارثة
حين تصف المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية لويز براون ما شاهدته خلال زيارتها للدلنج في مطلع مارس بكلمة “جنون”، فإنها لا توظف مجازا بلاغيا بل تصدر حكما ميدانيا مباشرا على واقع لا تكفيه لغة التقارير الرسمية الجافة. المدنيون عالقون في شرك القصف المتبادل، محاصرون بلا ملاذ آمن، وبلا ممرات إنسانية واضحة تخرجهم من دوامة النار.
وتضع براون كردفان في سياقها الأشمل حين تؤكد أن “الحرب في السودان تسببت في أسوأ أزمة إنسانية ونزوح في العالم حاليا”، وأن كردفان اليوم هي “المثال الحي على هذا التمزق”.
وهي شهادة تكتسب ثقلها من مصدرها الأممي الرفيع، وتوجه رسالة صريحة إلى المجتمع الدولي بأن ما يجري على أرض كردفان ليس شأنا محليا يمكن تجاهله، بل أزمة إنسانية عالمية في طور التشكل.
ويقدر المراقبون الدوليون أن كردفان باتت تستضيف واحدة من أضخم موجات النزوح الداخلي في أفريقيا، مع توافد الفارين من دارفور والخرطوم إلى مناطق باتت هي نفسها ساحات اشتعال، مما يضاعف من حجم الأعباء على البنية التحتية شبه المنهارة أصلا، ويحول مراكز الاستقبال الإنسانية إلى أهداف محتملة في خضم المعارك المتنقلة.
لماذا كردفان؟.. قراءة في جغرافيا الحسم
لا يمكن فهم تصاعد وتيرة المواجهة في كردفان دون استيعاب أهميتها الاستراتيجية البالغة. فهذا الإقليم يمثل “حزام الربط القومي” الذي يصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، ومن يسيطر عليه يمسك فعليا بمفاتيح الجغرافيا السودانية.
فمن منظور الجيش السوداني، تكتسب كردفان أهميتها من كونها الممر البري الوحيد المتاح نظريا للتواصل مع دارفور، التي باتت قوات الدعم السريع تهيمن على أجزاء واسعة منها. وقطع هذا الممر أو السيطرة عليه يعني عزل قوات الدعم السريع الغربية وتجفيف خطوط إمدادها وإخراجها من معادلة الحرب الكبرى. لذا يضخ الجيش ثقله الاستراتيجي في محاولة تأمين محور بارا وما يمتد شمالا وجنوبا منه.
في المقابل، تنظر قوات الدعم السريع إلى كردفان باعتبارها “خاصرتها الشرقية” التي إن انكشفت أغلقت الطريق أمام أي امتداد نحو قلب السودان، وأفقدتها إمكانية الحشد والتنقل بين قواتها المنتشرة في دارفور والمحاور الأخرى.
ومن هنا يتضح لماذا تصعد قوات الدعم السريع من ضرباتها عبر المسيرات حتى في الوقت الذي تتراجع فيه ميدانيا في بعض المحاور، فالضربة الانتحارية على الأبيض ليست انتقاما عشوائيا بل رسالة محكمة بأن التقدم الميداني لن يأتي بلا ثمن باهظ.
حرب المسيرات.. قواعد اشتباك تتغير
يمثل توظيف المسيرات الانتحارية في كردفان منعطفا تكتيكيا نوعيا لا يمكن إغفاله في قراءة مسار الحرب السودانية. فقبل أشهر قليلة، كان الصراع يعتمد أساسا على المواجهة البرية المباشرة والمدفعية التقليدية، أما اليوم فقد دخل سلاح المسيرات كعامل حسم إضافي يربك الحسابات ويطيل أمد الاستنزاف.
وتكشف ضربة الأبيض أن لا أحد في عمق المدن آمن من هذا السلاح، وأن البنية التحتية المدنية والحكومية باتت في دائرة الاستهداف المباشر، مما يضيف ضغطا نفسيا هائلا على السكان المدنيين ويعمق حالة الهشاشة الاجتماعية التي تغذي بدورها مزيدا من النزوح والانهيار في الخدمات.
مسارات مفتوحة.. والثمن يدفعه المواطن
أمام هذا المشهد المتداخل، يقف المراقبون أمام سيناريوهين رئيسيين لا ثالث لهما في المدى المنظور: إما أن تتمكن القوات المسلحة السودانية من إحكام سيطرتها على المحاور الرئيسية في كردفان وقطع خطوط الإمداد عن قوات الدعم السريع، فتنحسر قدرتها على المناورة وتفتح معها إمكانية الحسم العسكري في إقليم دارفور.
وإما أن تنجح قوات الدعم السريع في استيعاب الضغط والإبقاء على تواجدها في النقاط الاستراتيجية، فيدخل الصراع مرحلة استنزاف مطول تتآكل فيها قدرات الطرفين معا ويدفع المواطن السوداني وحده ثمنها الباهظ.
وفي كلا السيناريوهين، يبقى المدني السوداني في كردفان الخاسر الأكبر، المحاصر بين طرفين لا يفرق أي منهما في لهيب المعارك بين هدف عسكري ومستشفى أو مدرسة أو مخيم نزوح. وهو ما يجعل الصرخة الأممية التي أطلقتها لويز براون من الدلنج ليست مجرد توصيف إنساني، بل نداء استغاثة عاجلا من إقليم يقف على حافة الكارثة الكاملة.









