مجتبى خامنئي يتولى السلطة: كيف حسم الحرس الثوري معركة “المرشد الثالث” في 8 مارس؟
طهران – المنشر الاخباري | 8 مارس 2026: في لحظة فارقة من أشد لحظات تاريخ الجمهورية الإسلامية خطورة وتعقيدا، أعلن مجلس خبراء إيران رسميا أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل علي خامنئي، قد غدا المرشد الأعلى الثالث للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
جاء هذا الإعلان في خضم حرب شاملة تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وهو توقيت لم يسبق له مثيل في تاريخ أي نظام سياسي حديث، إذ نادرا ما يجري نظام حرب انتقال سلطة كاملة في أعلى هرمه القيادي بينما تتساقط الصواريخ على أراضيه.
وتطرح حول هذا الرجل، الذي أمضى عقودا في الظل يحرك الخيوط دون أن يظهر أمام الكاميرات، أسئلة جوهرية لا تزال تبحث عن إجابات: من هو فعلا؟ ومن أين استمد نفوذه؟ وكيف تشكلت علاقاته بمؤسسة الحرس الثوري؟ وهل سيقود إيران نحو مخرج من الحرب أم نحو مزيد من الاشتعال؟
طفولة الثورة وشباب الخنادق
ولد مجتبى خامنئي في السابع من سبتمبر 1969 في مدينة مشهد، في السنوات الأخيرة من عهد الشاه، حين كان والده علي خامنئي يخوض مساره الثوري في مواجهة النظام الملكي.
وبينما كانت إيران تعيش انعطافتها التاريخية الكبرى في عام 1979، كان مجتبى في العاشرة من عمره، وهو سن يتشرب فيه الطفل ما حوله ويختزنه في وجدانه لعقود. نشأ في بيت الثورة وتربى على إيقاعها اليومي، لكن ما ميزه عن إخوته الثلاثة، مصطفى ومسعود وميثم، كان قراره بالخروج من الأدوار الآمنة والهامشية التي اكتفى بها أبناء القادة في الأنظمة الثورية عادة.
في منتصف الثمانينيات، وبينما كانت الحرب الإيرانية العراقية تلتهم أجيالا من الشباب الإيراني، اتخذ مجتبى، وهو في السابعة عشرة من عمره تقريبا، قرارا لافتا: الالتحاق بالخطوط الأمامية. خدم في كتيبة حبيب بن مظاهر التابعة للفرقة السابعة والعشرين من فرقة النبي محمد، وهي من أشهر وحدات الحرس الثوري وأعرقها في تلك الحرب.
ولم تكن هذه مجرد مغامرة عاطفية لابن مسؤول يريد إثبات نفسه، بل كانت خطوة حسابية في مسار طويل، إذ ضمت هذه الوحدة نفسها شخصيات سيصبح أثرها على مستقبل إيران بالغا، من بينهم قاسم سليماني الذي سيصبح لاحقا قائد فيلق القدس الأسطوري، وحسين همداني، وحسين طيب الذي سيقود استخبارات الحرس الثوري لسنوات.
وإن لم تمتد خدمته الميدانية طويلا، فإن المحللين يجمعون على أن هذه التجربة كانت البذرة الأولى للشبكة العميقة التي سيحكمها لاحقا مع قيادات الحرس الثوري، إذ في ثقافة الجمهورية الإسلامية يشكل “أخوة الجبهة” رابطا أقوى من كثير من الروابط السياسية والإدارية.
الحوزة والسلطة.. مساران يلتقيان
بعد الجبهة، التحق مجتبى بحوزة قم العلمية، تلك المدينة التي تحتضن المرجعية الشيعية وتصدر الفقهاء إلى أرجاء العالم الإسلامي.
وقد تتلمذ على يد أساتذة بارزين من بينهم مصباح يزدي، المرجع الأيديولوجي للتيار المحافظ المتشدد، وهاشمي شاهرودي، ووالده المرشد الأعلى نفسه. وعلى مدار أكثر من خمسة عشر عاما، درس في قم أعلى مستويات الفقه الحوزوي في ما يعرف بـ”درس الخارج”، وهو الدرس الذي يعد تقليديا شرطا لنيل مرتبة السلطة الدينية ومستلزما للشرعية الفقهية في المنظومة الإيرانية.
وقد بلغ رتبة آية الله وفق ما وثقته وكالة أنباء الحوزة.
لكن في أكتوبر 2014، أثار مجتبى الدهشة حين أعلن في رسالة مصورة إغلاق فصوله الدراسية في الحوزة، مكتفيا بالقول إن السبب “أمر بينه وبين الله”.
وفسر المحللون هذه الخطوة بأنها لم تكن انسحابا دينيا بل مناورة سياسية محسوبة، ربما لتخفيف الحساسية تجاه الطابع الوراثي لأي خلافة محتملة، وربما للتحرر من قيود الفضاء الحوزوي والتفرغ للمرحلة العملية من بناء النفوذ.
شبكة النفوذ الخفية.. العقدان الذهبيان
الفصل الأطول والأكثر تأثيرا في سيرة مجتبى خامنئي هو ذلك الذي جرى بعيدا عن الأضواء وعلى مدى عقدين متواصلين. ففي أعقاب احتجاجات عام 2009 التي هزت الجمهورية الإسلامية وأطلق فيها المحتجون هتافات موجهة ضده شخصيا، “مجتبا، لا تر القائد”، اختار مجتبى مسارا مغايرا لما قد يتوقعه المراقبون: لم ينكفئ بل ترسخ في قلب النظام.
يجمع المحللون المتخصصون في الشأن الإيراني على أنه تحول خلال هذه الفترة إلى ما يمكن وصفه بـ”المهندس الصامت” للدولة العميقة الإيرانية.
فمكتب المرشد الأعلى، الذي كان تقليديا جهازا استشاريا وإداريا، تحول تدريجيا في ظل حضوره إلى “مركز قيادة” يشرف فعليا على مختلف قطاعات الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية. وكان مجتبى الحلقة الاستراتيجية التي تربط هذا المركز بقيادات الحرس الثوري ومؤسسة الباسيج وجهاز الاستخبارات الأمنية.
ويرى المحللون أن بصمته واضحة في عملية “إعادة التشكيل” الجيلية التي أفسح فيها رجال الثورة الأوائل المجال لتكنوقراط دينيين وجنرالات من الجيل الثاني، نظر إلى صعود معظمهم باعتباره نتيجة “هندسته الدقيقة ومنحه الضوء الأخضر”.
وعلى صعيد السياسة الإقليمية، يعتقد أنه لعب دورا استراتيجيا خلف الكواليس في تنسيق السياسات الإيرانية في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وإن كان هذا الدور ظل بعيدا عن الوثائق الرسمية والتصريحات المباشرة.
وفي عام 2019، أضافت وزارة الخزانة الأمريكية اسم مجتبى إلى قائمة العقوبات ضمن حزمة موجهة ضد مكتب المرشد الأعلى، في اعتراف صريح غير مسبوق من مؤسسة غربية رسمية بنفوذه الفعلي في بنية السلطة الإيرانية.
وصفه المسؤولون الأمريكيون يومها بأنه “أحد أكثر الشخصيات نفوذا في شبكة السلطة في الجمهورية الإسلامية”، وهو توصيف لشخص لم يكن يشغل آنذاك أي منصب رسمي معلن.
“الملياردير الخفي”.. نفوذ مالي في الظل
اهتمت وسائل إعلام غربية عدة بمسألة الثروة المنسوبة لمجتبى خامنئي، واصفة إياه في بعض التقارير بـ”الملياردير” صاحب عقارات في لندن وفيينا وأصول مالية ضخمة.
غير أن المحللين المتخصصين يميزون بدقة بين هذه الرواية وبين الواقع الأكثر تعقيدا: نفوذ مجتبى الاقتصادي لا يأتي من أنشطته التجارية الشخصية، بل من موقعه السياسي وارتباطه الوثيق بمؤسسات حكومية نافذة تشمل المقر التنفيذي لأمر الإمام ومؤسسة المستضعفين وغيرها من الكيانات الضخمة المرتبطة بمكتب المرشد الأعلى.
وتتيح هذه العلاقة بالشبكة الاقتصادية للجمهورية الإسلامية لمجتبى، وفق هؤلاء المحللين، بناء ولاءات ممتدة عبر مستويات متعددة من السلطة، إذ يملك القدرة على توزيع المكافآت وتأمين المصالح بصورة تجعل الطبقة العسكرية والاقتصادية المحيطة به تنظر إلى بقائه في السلطة باعتباره ضمانا لاستمرار منافعها وامتيازاتها.
التحالف الاستراتيجي عبر المصاهرة
في عام 1999، أضاف مجتبى إلى شبكة نفوذه بعدا آخر حين تزوج من زهرة، ابنة غلام علي حداد عادل، أحد أبرز وجوه التيار الأصولي المحافظ الذي شغل لاحقا رئاسة مجلس الشورى الإسلامي.
لم تكن هذه مجرد مصاهرة عائلية، بل تحالف استراتيجي أحكم ربط المؤسسة القيادية بالطيف التكنوقراطي الثقافي المحافظ، ووسع دائرة النفوذ لتتجاوز الأجهزة الأمنية إلى الفضاء السياسي والتشريعي.
الظهور الأول على المسرح السياسي
خرج اسم مجتبى خامنئي من دائرة الهمس الاستخباراتي إلى الرأي العام الإيراني لأول مرة خلال انتخابات 2005، حين وجه المرشح الرئاسي مهدي كروبي رسالة تاريخية غير مسبوقة مباشرة إلى المرشد الأعلى، يتهم فيها نجله بالتدخل المباشر في تنظيم الأصوات لصالح محمود أحمدي نجاد عبر قنوات الحرس الثوري وقوات الباسيج. كشف هذا الاتهام عن شيء لم يكن كثيرون يجرؤون على التصريح به: أن ثمة رجلا من وراء الكواليس يحرك مسار العملية السياسية من خارج مواقعها الرسمية.
وبعد أربع سنوات، خلال احتجاجات الحركة الخضراء في 2009، وصل هذا التعريف العام بمجتبى إلى ذروته حين هتف المحتجون باسمه مباشرة، معتبرين إياه المهندس الرئيسي لقمع الاحتجاجات والتلاعب بنتائج الانتخابات ومرشح الاستمرارية الوراثية الذي يجب رفضه.
مرشد الحرب.. تناقضات اللحظة الكبرى
يصف المحللون وصول مجتبى خامنئي إلى القيادة في هذه الظروف بأنه “معادلة التناقضات”. فمن جهة، يمنحه السياق الحربي ما يمكن تسميته “الشرعية الدموية”: رجل فقد والده في الحرب، وتأسست رصيده على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية التي تخوض المواجهة، وهو ما يجعله في نظر فصائل المتشددين في الحرس الثوري القائد الطبيعي لمرحلة الحرب.
لكن من جهة أخرى، ثمة عقبات هيكلية عميقة تواجه شرعيته في آن واحد على مستويات متعددة. فعلى الصعيد الأيديولوجي، تأسست ثورة 1979 على رفض صريح لوراثة السلطة وإسقاط نظام ملكي.
وتولي الابن منصب الأب في الجمهورية الإسلامية يشكل مفارقة تاريخية مؤلمة تجعل فئة من رجال الدين التقليديين وحتى بعض المحافظين يبدون حساسية بالغة تجاهها، لأنها تضرب في صميم أحد الادعاءات التأسيسية للثورة. ويشير المنتقدون إلى أن “الجمهورية الوراثية” هي نقيض ما قامت عليه الثورة، وأن القبول بها يعني إدانة المبدأ الذي بني عليه النظام برمته.
وعلى الصعيد الشخصي، يفتقر مجتبى إلى شيء يملكه كل من سبقوه في الزعامة: الحضور العام المجرب. فروح الله الخميني كان خطيبا ملهما وزعيما كاريزميا اختبرته الجماهير عقودا.
وعلي خامنئي كان خطيبا مفوها سبق أن شغل رئاسة الجمهورية وخبر الفضاء العام. أما مجتبى فلم يقف أمام جمهور عريض قط، ولم يواجه صحفيا واحدا، ولم يلتق بأي مسؤول أجنبي في أي سياق علني موثق.
“مبدأ ترامب”.. عقبة تأتي من واشنطن
أضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدا غير مسبوق إلى أزمة شرعية مجتبى، إذ أعلن صراحة وبلهجة لا تحتمل اللبس أنه لا يوافق على هذا الاختيار وأنه يعتبر القائد الجديد “لن يستمر طويلا بدون موافقة واشنطن”.
هذا التصريح الذي تجاوز كل الأعراف الدبلوماسية أرسل رسالة واضحة إلى المعارضة الداخلية والخارجية وخصوم إيران الإقليميين بأن واشنطن لن تمنح الشرعية لهذه الخلافة، وهو ما يضع مجتبى في موقف يضطر فيه إلى بناء شرعيته تحت وطأة رفض أكبر قوة عسكرية في العالم وفي خضم حرب تشنها عليه.
فراغ المنافسة.. الطريق الذي مهد له الزمن
يرى فريق من المحللين أن من أقوى العوامل التي دفعت مجتبى إلى قمة السلطة ليس قوته الذاتية وحدها، بل “فراغ المنافسة” الذي نجم عن غياب متتال ومريب لكل الشخصيات التي كان يمكن أن تشكل بديلا.
فأكبر هاشمي رفسنجاني، المرجع السياسي الكبير الذي كان يمكن أن يشكل ثقلا موازنا، رحل وفاة مفاجئة. وإبراهيم رئيسي، الذي رشحه بعضهم للمرشدية قبل توليه الرئاسة، سقط في تحطم مروحية. ومحمود هاشمي شاهرودي، العالم الديني الرفيع، غادر بدوره. وصادق أمولي لاريجاني تراجع تحت وطأة ملفات فساد. هذا التراكم في غياب المنافسة جعل مجتبى، وفق هؤلاء المحللين، “الخيار الوحيد المتاح” في لحظة تتطلب قرارا سريعا في ظل ضغوط الحرب.
لغز الموقف.. إصلاح أم تشدد؟
الجانب الأكثر إثارة للغموض في شخصية مجتبى خامنئي هو غياب أي سجل واضح يحدد توجهه السياسي الحقيقي. على مدار عقود من العمل في الخفاء، لم يصدر بيانا سياسيا علنيا ذا بال، ولم يعبر عن موقف صريح من القضايا الكبرى كالاتفاق النووي أو العلاقة مع الغرب أو مستقبل المنظومة الإقليمية لإيران.
وهذا الصمت المنهجي يقسم المحللين إلى معسكرين متناقضين: من يعتبره “بوصلة المتشددين الأمنيين” المرتبط عضويا بالجناح الأكثر تطرفا في الحرس الثوري، ومن يرى أن افتقاره إلى سجل تنفيذي معلوم يجعل الحكم على توجهاته الحقيقية ضربا من المجازفة.
مستقبل مفتوح على احتمالات متضاربة
تبقى اللحظة التي يقف فيها مجتبى خامنئي على عتبة القيادة محملة بشحنة هائلة من المتغيرات التي لا يملك أحد اليقين بمآلاتها.
فالحرب التي جاءت به إلى السلطة هي نفسها التي ستختبر قدرته على الاستمرار. وإن نجح في إدارة هذه المرحلة الانتقالية الاستثنائية ووحد خلفه الفصائل المتشتتة وأظهر قدرة على اتخاذ القرار في لحظات مصيرية، قد يحكم قبضته على السلطة ويرسخ نموذجا جديدا للقيادة الإيرانية.
لكن إن أخفق في إدارة ضغوط الحرب المتراكمة، وتعمق الانهيار الاقتصادي، وتوالت الضربات العسكرية، فقد يصبح اسمه مرتبطا في التاريخ بالمرحلة الأخيرة من عمر النظام، لا ببداية عهد جديد.
ما هو مؤكد في هذا الضباب الكثيف هو أن إيران تدخل مرحلة من أكثر مراحلها المصيرية خطورة بقيادة رجل لا يعرف العالم عنه الكثير، وهو نفسه لا يعرف بعد كيف سيواجه عالما لا يشبه شيئا مما أعد نفسه له في ثلاثين سنة من العمل في الظل.









