ضغوط من الرياض وطهران والشارع الداخلي في آن واحد… دراسة تحذر من أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وضعت باكستان أمام واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في تاريخها الحديث
إسلام آباد- المنشر الإخباري
حرب إقليمية تضع إسلام آباد أمام اختبار صعب
مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط عقب المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت تداعيات الحرب تتجاوز حدود المنطقة التقليدية للصراع لتصل إلى دول أخرى مرتبطة بشبكة معقدة من التحالفات والمصالح. ومن بين هذه الدول تبرز باكستان بوصفها أحد الأطراف التي تجد نفسها اليوم في موقف بالغ الحساسية، حيث تتقاطع التزاماتها العسكرية مع السعودية، وعلاقاتها الجيوسياسية مع إيران، وضغوط الداخل الباكستاني.
في هذا السياق، نشرت دراسة حديثة صادرة عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بعنوان “مأزق باكستان في الأزمة الإيرانية” قراءة معمقة لطبيعة المعضلة التي تواجهها إسلام آباد في ظل الحرب الدائرة. وتذهب الدراسة إلى أن الأزمة الحالية وضعت مصداقية الاتفاقيات الدفاعية الباكستانية على المحك، خاصة بعد التصريحات العلنية التي أدلى بها وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بشأن التزام بلاده باتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية.
وتشير الدراسة إلى أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران لم تكن مجرد صراع إقليمي، بل تحولت إلى اختبار مباشر لمصداقية التحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة، وفي مقدمتها التحالف بين باكستان والسعودية، وهو التحالف الذي يمتد لعقود طويلة من التعاون العسكري والاقتصادي.
اتفاق الدفاع مع السعودية: وعد سياسي يتحول إلى عبء إستراتيجي
وقعت باكستان والسعودية في سبتمبر 2025 اتفاقية دفاع مشترك تنص على أن أي اعتداء على أحد البلدين يعد اعتداءً عليهما معاً. وقد صُممت هذه الاتفاقية في إطار تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، لكنها تضمنت قدراً من الغموض المتعمد حول طبيعة الالتزامات العسكرية الفعلية.
غير أن هذا الغموض بدأ يتلاشى مع التصريحات العلنية التي أدلى بها وزير الخارجية الباكستاني في الثالث من مارس 2026، عندما حذّر إيران من استهداف السعودية، مؤكداً أن بلاده ملتزمة باتفاق الدفاع المشترك.
وترى الدراسة أن هذا التصريح لم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل كان رسالة ردع سياسية تهدف إلى رفع تكلفة أي عمل عسكري محتمل ضد السعودية. لكن في الوقت نفسه، فإن هذه التصريحات رفعت أيضاً تكلفة التراجع الباكستاني عن التزاماتها، وهو ما جعل إسلام آباد أسيرة لالتزام قد لا تكون قادرة على تنفيذه عملياً.
ففي عالم السياسة الدولية، غالباً ما يلجأ القادة إلى التصريحات العلنية لتعزيز مصداقية التهديدات والالتزامات، لأن التراجع عنها لاحقاً يحمل تكلفة سياسية كبيرة أمام الرأي العام المحلي وأمام الحلفاء.
وهذا ما تسميه الدراسة بمفهوم “تكلفة الجماهير”، وهو مفهوم يشير إلى أن القادة عندما يعلنون التزاماتهم علناً يصبح من الصعب عليهم التراجع عنها دون دفع ثمن سياسي كبير.
ثلاث جبهات تضغط على القرار الباكستاني
تؤكد الدراسة أن المشكلة الأساسية التي تواجهها باكستان اليوم تتمثل في أنها محاصرة بثلاثة مصادر ضغط متزامنة، وهو ما يجعل موقفها أشبه بما وصفته الدراسة بـ “معضلة الأجسام الثلاثة”.
أولاً: ضغط الحليف السعودي
السعودية تراقب بدقة موقف باكستان باعتبارها شريكاً دفاعياً رئيسياً، خاصة أن الاتفاق الدفاعي بين البلدين أُعلن عنه قبل أشهر قليلة فقط.
ومن منظور الرياض، فإن مصداقية الاتفاقيات الدفاعية تعتمد على قدرة الحلفاء على الالتزام بتعهداتهم في أوقات الأزمات، وليس فقط في الظروف الطبيعية.
وبالتالي فإن أي تردد باكستاني في الالتزام بالاتفاق قد يُنظر إليه باعتباره تقويضاً لمصداقية التحالف العسكري بين البلدين.
ثانياً: الحسابات الإيرانية
في المقابل، تدرك إيران جيداً طبيعة التوازنات السياسية في باكستان، وهي تدرك أيضاً أن مجرد التصريحات السياسية لا تعني بالضرورة استعداداً فعلياً للتدخل العسكري.
وبالتالي قد ترى طهران أن تصريحات وزير الخارجية الباكستاني ليست أكثر من محاولة سياسية لطمأنة السعودية، وليس التزاماً عملياً بالمشاركة في أي مواجهة عسكرية.
لكن في الوقت نفسه، فإن أي خطوة باكستانية نحو دعم السعودية عسكرياً قد تدفع إيران إلى إعادة النظر في التفاهمات غير المعلنة التي حافظت على استقرار الحدود بين البلدين.
ثالثاً: الضغط الداخلي في باكستان
ربما يكون العامل الأكثر تعقيداً في المعادلة هو الداخل الباكستاني نفسه.
فباكستان تضم نحو أربعين مليون مواطن شيعي، وهو ما يجعل الحرب ضد إيران قضية حساسة للغاية في الداخل.
وتشير الدراسة إلى أن قطاعاً واسعاً من هؤلاء المواطنين يتابعون التطورات العسكرية التي تتعرض لها إيران، وهو ما قد يثير موجات احتجاج داخلية إذا اتخذت الحكومة الباكستانية موقفاً عسكرياً ضد طهران.
الحدود الغربية: توازن هش مع إيران
تتمتع باكستان بحدود طويلة مع إيران تمتد لنحو 560 كيلومتراً في إقليم بلوشستان، وهي منطقة شديدة الحساسية أمنياً.
وعلى مدى سنوات طويلة حافظ البلدان على ما يشبه التفاهم غير المعلن القائم على مبدأ “عِش ودع غيرك يعيش”، وهو تفاهم سمح بالحفاظ على استقرار الحدود رغم التوترات السياسية.
لكن هذا التوازن الهش قد يتعرض للانهيار إذا انخرطت باكستان بشكل مباشر في أي مواجهة عسكرية ضد إيران.
وتشير الدراسة إلى أن هذا السيناريو قد يدفع إيران إلى التخلي عن ما يُعرف بـ “الصمت الصاروخي” غير المعلن الذي حافظ على استقرار الحدود في السنوات الماضية.
جبهة طالبان: خطر الحرب على جبهتين
لا تقتصر التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان على حدودها مع إيران، إذ يخوض الجيش الباكستاني بالفعل حرباً مفتوحة ضد حركة طالبان الباكستانية في المناطق الشمالية الغربية.
وقد أطلق الجيش في فبراير 2026 عملية عسكرية واسعة تحت اسم “غضب للحق” تستهدف معاقل الحركة في المناطق الحدودية مع أفغانستان.
وتتطلب هذه العملية موارد عسكرية كبيرة، ما يعني أن أي انخراط باكستاني في مواجهة مع إيران قد يفتح جبهة ثانية في وقت غير مناسب.
كما أن طالبان الأفغانية قد تجد في الصراع الإقليمي فرصة لتعزيز نفوذها أو ممارسة ضغوط إضافية على الحكومة الباكستانية.
الشارع الباكستاني: الاحتجاجات تتجاوز الخطوط الحمراء
شهدت باكستان في السنوات الماضية موجات احتجاج متفرقة مرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط، لكن الدولة كانت قادرة على احتوائها عبر مزيج من الخطاب السياسي والإجراءات الأمنية.
ففي عام 2024، عندما قُتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، نجحت السلطات الباكستانية في احتواء الاحتجاجات من خلال السماح بتظاهرات رمزية دون السماح بتصعيدها.
لكن الوضع في الأزمة الحالية يبدو مختلفاً.
ففي مارس 2026 قُتل 22 متظاهراً أمام القنصلية الأمريكية في كراتشي خلال احتجاجات على الضربات العسكرية ضد إيران، وهو ما يشير إلى تصاعد غير مسبوق في مستوى التوتر الداخلي.
وترى الدراسة أن هذه التطورات تعكس تراجع قدرة الدولة على لعب دور الوسيط المحايد، وهو الدور الذي سمح لها سابقاً بالحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية.
الاقتصاد الباكستاني: أزمة مالية تحد من الخيارات
تواجه باكستان أيضاً ضغوطاً اقتصادية كبيرة تجعل خياراتها السياسية أكثر تعقيداً.
ففي عام 2024 حصلت إسلام آباد على برنامج إنقاذ مالي جديد من صندوق النقد الدولي بقيمة سبعة مليارات دولار، وهو البرنامج الرابع والعشرون في تاريخ تعامل البلاد مع الصندوق.
ويعني هذا أن الاقتصاد الباكستاني يعتمد بشكل كبير على الدعم المالي الدولي، وهو ما يقلل من قدرة الحكومة على الدخول في مغامرات عسكرية أو سياسية قد تهدد الاستقرار الاقتصادي.
كما أن ملايين العمال الباكستانيين يعملون في دول الخليج، وتشكل تحويلاتهم المالية مصدراً أساسياً لدعم الاقتصاد الوطني.
وبالتالي فإن أي توتر في العلاقات مع السعودية أو دول الخليج قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد الباكستاني.
“مصيدة الالتزام”: معضلة بلا مخرج واضح
تصف الدراسة الوضع الحالي الذي تواجهه باكستان بأنه “مصيدة الالتزام”.
فإذا التزمت إسلام آباد فعلياً باتفاق الدفاع مع السعودية، فإنها تخاطر بتدهور علاقاتها مع إيران وبفتح جبهة أمنية جديدة على حدودها الغربية.
أما إذا اختارت الصمت أو الحياد، فإن ذلك قد يُفسر على أنه تراجع عن التزاماتها الدفاعية، وهو ما قد يضعف ثقة السعودية في التحالف مع باكستان.
وفي كلا السيناريوهين، تبدو الخيارات المتاحة أمام صانعي القرار في إسلام آباد محدودة للغاية.
تاريخ التحالف السعودي-الباكستاني: علاقة المصالح المتبادلة
العلاقة بين باكستان والسعودية ليست جديدة، بل تمتد لعقود طويلة من التعاون العسكري والاقتصادي.
ففي عام 1998، عندما أجرت باكستان تجاربها النووية الأولى وواجهت عقوبات غربية قاسية، قدمت السعودية دعماً اقتصادياً كبيراً لإسلام آباد من خلال إمدادات نفطية مجانية بلغت نحو خمسين ألف برميل يومياً.
كما شاركت قوات باكستانية في حماية الحدود السعودية خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.
لكن رغم قوة هذه العلاقة، فإنها ظلت قائمة على حسابات المصالح الإستراتيجية أكثر من كونها تحالفاً عسكرياً ملزماً بشكل كامل.
سابقة حرب اليمن: حدود التضامن العسكري
تقدم تجربة حرب اليمن عام 2015 مثالاً واضحاً على حدود التحالف العسكري بين باكستان والسعودية.
فعندما طلبت الرياض من إسلام آباد الانضمام إلى التحالف العسكري ضد الحوثيين المدعومين من إيران، صوّت البرلمان الباكستاني ضد المشاركة في الحرب.
وقد أثار هذا القرار غضباً في بعض العواصم الخليجية، لكن باكستان نجحت في الحفاظ على علاقاتها مع السعودية دون الانخراط المباشر في الصراع.
وتشير الدراسة إلى أن هذه السابقة تعكس نمطاً ثابتاً في السياسة الخارجية الباكستانية: دعم الحلفاء سياسياً عندما تكون المخاطر محدودة، والتراجع عندما ترتفع تكلفة التدخل العسكري.
تحالفات جديدة قد تغيّر موازين القوى
تلفت الدراسة أيضاً إلى احتمال أن تؤدي الأزمة الحالية إلى إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.
فإذا أدت الحرب إلى تقارب أكبر بين الهند وإسرائيل، أو إلى فرض عقوبات جديدة على البرنامج الصاروخي الباكستاني، فقد تجد إسلام آباد نفسها في وضع إستراتيجي أكثر صعوبة.
كما أن أي تصعيد عسكري قد يمنح الهند فرصة لتعزيز جهودها الدبلوماسية لعزل باكستان دولياً.
خاتمة: معادلة شديدة التعقيد
تكشف الأزمة الإيرانية الحالية أن السياسة الخارجية الباكستانية تقف اليوم أمام أحد أصعب اختباراتها منذ عقود.
فالدولة التي سعت طويلاً إلى الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الإقليمية تجد نفسها الآن محاصرة بين التزاماتها تجاه السعودية، وحساسيات علاقتها مع إيران، وضغوط الداخل الباكستاني.
وبينما تحاول إسلام آباد المناورة لتجنب الانجرار إلى صراع إقليمي واسع، يبدو أن هامش الحركة أمامها يضيق بسرعة، في وقت تتصاعد فيه التوترات في الشرق الأوسط وتزداد تكلفة الحياد السياسي.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع باكستان الخروج من مصيدة الالتزام دون أن تخسر أحد أطراف المعادلة الإقليمية، أم أن الأزمة الحالية ستجبرها أخيراً على اختيار جانب واضح في صراع الشرق الأوسط المتصاعد؟
وفي النهاية، قد تجد باكستان نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات صعبة في وقت لا تبدو فيه أي من الخيارات المطروحة خالية من المخاطر.










