أربيل – المنشر الاخباري| 11 مارس 2026: في خضم المواجهة العسكرية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يرتسم مشهد جديد في إقليم كردستان الإيراني، حيث تتقاطع خيوط متعددة ومتشابكة تجمع بين تحركات الفصائل الكردية المسلحة ومساعي الاستثمار السياسي في لحظة الضعف الإيراني، والضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية التي تواصل استهداف منظومة الحرس الثوري الإيراني في قلب معاقله الكردستانية، في مشهد يوحي بأن المنطقة تقف على أعتاب تحولات عميقة قد تعيد رسم خارطة القوى فيها لسنوات مقبلة.
“بيجاك”: مستعدون للقتال ولكن بشروطنا
كشف حزب الحياة الحرة في كردستان، المعروف بـ”بيجاك”، النقاب عن موقفه الصريح من المستجدات الإقليمية في مقابلة أجرتها معه قناة TV2، أعلن فيها عن استعداده التام لخوض المعركة ضد النظام الإيراني، في تصريحات لافتة صدرت عن فؤاد بيريتان، عضو المجلس القيادي في الحزب، الذي حرص على أن يضع النقاط على الحروف في ما يخص طبيعة العلاقة مع الأطراف الدولية المنخرطة في الصراع.
وأكد بيريتان أن الحزب أجرى اتصالات مع الجانب الأمريكي، موضحا بلهجة لا تخلو من الحزم أن أي قرار بالتحرك على الأرض الإيرانية يبقى شأنا كرديا خالصا تتخذه الحركة بمحض إرادتها واستنادا إلى تقديراتها الخاصة، بعيدا عن أي إملاءات أو توجيهات خارجية.
وفي تعليق يعكس قراءة واقعية لطبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، لم يتردد بيريتان في القول إن “ترامب لا يمكن التنبؤ به”، مضيفا بوضوح تام: “نحن لا نخوض الحرب بناء على طلب أحد”.
وتحمل هذه التصريحات دلالة عميقة تكشف عن حرص قيادة “بيجاك” على صون استقلالية قرارها السياسي والعسكري، وعدم السماح لأحد باستخدام الحركة الكردية ورقة في لعبة مصالح دولية متشعبة لا تأخذ بالضرورة مصالح الشعب الكردي في الحسبان الأول.
غموض مقصود حول حجم التنظيم
ولم يفصح “بيجاك” عن الأرقام الحقيقية لكوادره وعناصره المقاتلة، في موقف يبدو مقصودا لاعتبارات أمنية وتكتيكية واضحة، إذ نفى القائد الميداني للحزب بشكل قاطع أن يكون تعداد عناصره في حدود المئات، كما نفى في الوقت ذاته أن يكون بعشرات الآلاف، تاركا الرقم الحقيقي في منطقة الغموض المحسوب التي تربك أي محاولة لتقييم قدراته الفعلية.
وتأسس “بيجاك” مطلع الألفية الثالثة وينتمي إداريا إلى المنظومة الأيديولوجية التي تقودها حركة كردستان الأوسع، إذ يرى المراقبون أنه يتشارك مع حزب العمال الكردستاني التركي “بي كي كي” في كثير من المرجعيات الفكرية والتنظيمية. وقد خاض الحزب على مدار سنوات طويلة مواجهات متقطعة مع القوات الإيرانية في المناطق الحدودية الكردية، ويعمل أساسا من قواعده في جبال قنديل الوعرة.
ضربات مكثفة تعصف بالحرس الثوري في مريوان
وعلى الأرض، تواصلت الضربات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة التي تستهدف منظومة الحرس الثوري الإيراني في إقليم كردستان، حيث شهدت مدينة مريوان وما يحيط بها موجة من الغارات الجوية الدقيقة طالت مواقع عسكرية واستخباراتية بالغة الأهمية، في مؤشر واضح على أن الاستهداف يسير وفق خرائط تفصيلية ومعلوماتية تكشف عن عمق الاختراق الاستخباراتي للمنظومة الإيرانية في هذه المنطقة.
وشملت قائمة الأهداف التي طالتها الضربات في محيط مريوان: فوج حرس الحدود الإيراني المتمركز في المنطقة، وموقع الحرس الثوري في منطقة بيله، وموقع آخر تابع للحرس في منطقة تشاوك، فضلا عن موقع الحرس الثوري في منطقة بردهرشه، وثكنة الحرس الثوري في منطقة بيهكره، وهي مواقع تشكل مجتمعة منظومة متكاملة للتواجد العسكري الإيراني في هذا القطاع الاستراتيجي الحساس.
ضربات استخباراتية تستهدف عيون الحرس الثوري
ولم تقتصر الضربات على المواقع العسكرية التقليدية، بل امتدت لتطال بشكل خاص المنظومة الاستخباراتية التي تمثل العمود الفقري لسيطرة الحرس الثوري على المنطقة الكردية، وهو ما يضفي على هذه الجولة من الضربات طابعا استراتيجيا بامتياز يتجاوز مجرد الإضرار الميداني الآني.
وفي هذا السياق، تم استهداف وتدمير مقر استخبارات الحرس الثوري الكائن في شارع المعلم بمريوان، الذي كان يشكل مركز ثقل لشبكات الرصد والمتابعة التي تحكم النظام الإيراني قبضته من خلالها على المدينة ومحيطها. كما طال الاستهداف برجين للاستخبارات يقعان على قمة جبلي إمام وتشاوك، وهما موقعان تنصبت فيهما أجهزة المراقبة والاستطلاع التي تتيح للحرس الثوري إشرافا بصريا وإلكترونيا واسعا على الحركة في المنطقة. وأضيف إلى قائمة الأهداف المدمرة قاعدة للحرس الثوري تقع بالقرب من مقبرة درويش، وهي قاعدة كانت تضطلع بمهام أمنية ولوجستية متعددة.
دلالة استراتيجية بالغة
ويلفت المراقبون الانتباه إلى أن تركيز الضربات على البنية الاستخباراتية للحرس الثوري في المنطقة الكردية يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز الأثر الميداني المباشر، إذ إن تعطيل شبكات الاستخبارات يفضي إلى إضعاف القدرة على رصد تحركات الفصائل الكردية المسلحة ومتابعة نشاطها، مما قد يفسح المجال أمام هذه الفصائل، ومن بينها “بيجاك”، لتعزيز تواجدها وحرية حركتها في المناطق التي طالما خضعت لمراقبة مشددة.
وفي السياق الأشمل، يشير هذا التطور إلى تقاطع مصالح مرحلي بين العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية التي تسعى إلى تفكيك المنظومة الأمنية والعسكرية للحرس الثوري، وبين تطلعات الفصائل الكردية التي ترى في هذه اللحظة التاريخية فرصة نادرة لإعادة تعريف حضورها وأوراق قوتها في المشهد الإيراني المضطرب.
الكرد في مفترق الطرق
وتجد الحركات الكردية الإيرانية نفسها اليوم في لحظة استثنائية بالغة الحساسية، فبينما تقدم الضربات الأمريكية الإسرائيلية على طبق من ذهب فرصا ميدانية لم تكن متاحة في ظل المنظومة الأمنية الإيرانية المحكمة التي كانت تكبل حركتها، تبقى الحسابات السياسية بالغة التعقيد في ظل مشهد إقليمي متقلب لا يمكن استشراف مآلاته بيقين.
وفي مواجهة هذا الواقع المركب، يبدو “بيجاك” حريصا على الإمساك بزمام قراره، ساعيا للاستفادة من الزخم الراهن دون أن يتحول إلى أداة في يد قوى خارجية تختلف أولوياتها عن الأهداف الكردية الجوهرية، في رهان صعب على الموازنة بين متطلبات اللحظة الراهنة وأحلام المستقبل البعيد.










