لندن – المنشر الاخباري| 11 مارس 2026: مع دخول الصراع المحتدم بقيادة الولايات المتحدة ضد إيران يومه الثاني والعشرين، والذي أطلقت عليه واشنطن اسم “عملية الغضب الملحمي”، بدأت تظهر تصدعات غير مسبوقة في جدار التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن.
فبينما تقود إدارة الرئيس دونالد ترامب، بالتعاون مع إسرائيل، حملة عسكرية بدأت في 28 فبراير 2026 بهدف شل القدرات النووية الإيرانية، تجد حكومة العمال البريطانية برئاسة كير ستارمر نفسها في موقف “المراقب الحذر”، وهو ما يراه البيت الأبيض “نكوصا” عن التزامات العلاقة الخاصة.
ستارمر ودروس “العراق”: الرفض الأولي
لم يكن الخلاف مجرد وجهات نظر، بل ترجمته مواقف عملياتية حاسمة؛ فقد رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، منذ الساعات الأولى للغزو، طلبا مباشرا من الرئيس ترامب لاستخدام القواعد العسكرية البريطانية الاستراتيجية – وتحديدا في غلوسترشاير، ودييغو غارسيا، وقبرص – لشن الضربات الهجومية الأولى.
استند ستارمر في قراره إلى “مخاوف قانونية” ودروس مستفادة من التدخل في العراق، مؤكدا أن المملكة المتحدة لن تشارك في “عمل هجومي” أو تسعى لـ “تغيير نظام من الجو”. هذا الموقف البريطاني، الذي يعطي الأولوية للقانون الدولي وخفض التصعيد، أثار حفيظة ترامب الذي كان يتوقع دعما مطلقا من حليفه الأقرب، مما دفع بوزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، للتأكيد في تصريح نادر وقوي على أن “أولوية ستارمر هي المصالح البريطانية فوق مصالح أي دولة أخرى”.
التعاون “الدفاعي” المشروط
مع تصاعد الأحداث، وتحديدا بعد الهجوم الإيراني الانتقامي على قاعدة بريطانية في قبرص في الأول من مارس، عدلت لندن موقفها قليلا، لكنها ظلت تحت سقف “الدفاع”، حيث سمحت للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها “لأغراض دفاعية محددة ومحدودة”، مثل اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وتقديم الدعم الاستخباراتي وتبادل المعلومات.
هذا التحول، وصفه ستارمر بأنه “قيادة هادئة ومتزنة”، تهدف لحماية الجنود البريطانيين والمصالح القومية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة وطويلة الأمد قد لا تكون لندن مستعدة لتبعاتها الاقتصادية والسياسية.
“تروث سوشيال” والرد القاسي من ترامب
رد فعل الرئيس ترامب لم يتأخر، وجاء بأسلوبه المعهود عبر منصة “Truth Social”، حيث وصف ستارمر بأنه “مخيب للآمال للغاية”. ولم يكتف ترامب بذلك، بل سخر علانية من عروض الدعم البريطانية اللاحقة، مثل نشر حاملات الطائرات، معتبرا إياها “متأخرة وغير ذات قيمة”.
كتب ترامب في إحدى تدويناته: “لسنا بحاجة إلى من ينضم إلى الحروب بعد أن نكون قد انتصرنا بالفعل!”، وأضاف بلهجة وعيد: “لن ننسى هذا الرفض”. وتعكس هذه الكلمات استياء واسعا في واشنطن من الحلفاء الأوروبيين، حيث تشعر الإدارة الأمريكية أن إسرائيل هي الوحيدة التي تقف بكامل ثقلها في هذه المواجهة، بينما ينظر إلى بريطانيا تحت حكم العمال كحليف “غير ملتزم بما يكفي”.
انقسام داخلي بريطاني
على الصعيد الداخلي، يواجه ستارمر ضغوطا من كفتي الميزان؛ فبينما يتهمه المحافظون وحزب “الإصلاح البريطاني” بقيادة نايجل فاراج بإضعاف مكانة بريطانيا الدولية وتخريب العلاقة مع واشنطن، يحذر الديمقراطيون الليبراليون وحزب الخضر من أن أي تورط – ولو دفاعيا – قد يجر البلاد إلى كارثة. وحتى داخل أروقة حزب العمال القديمة، أشار توني بلير في أحاديث خاصة إلى أن بريطانيا كان ينبغي أن تظهر دعما حازما منذ البداية للحفاظ على ثقلها الاستراتيجي.
قراءة في المستقبل: تحول لا انقلاب
يرى المحللون أن ما يحدث ليس “انقلابا” بريطانيا على الولايات المتحدة بالمعنى الحرفي، بل هو إعادة تقييم لأسس “العلاقة الخاصة”. فحكومة ستارمر تتبنى نهجا أقل خضوعا لواشنطن مقارنة بالحكومات السابقة، متأثرة بضغوط السياسة الداخلية والرغبة في التناغم مع الموقف الأوروبي الأكثر حذرا.
باختصار، يقف التحالف الأطلسي اليوم أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود. فبينما يستمر التعاون الاستخباراتي في الغرف المغلقة، يظل الشرخ السياسي علنيا وواضحا. وإذا ما استمر الصراع وتصاعدت حدة “عملية الغضب الملحمي”، فقد نكون أمام ولادة واقع جيوسياسي جديد، تكون فيه لندن أقرب إلى بروكسل منها إلى واشنطن، مما سيغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط وخارجه لسنوات طويلة مقبلة.










