أديس أبابا – المنشر الاخباري ، وسط أجواء مشحونة بالتوترات الجيوسياسية وتحولات موازين القوى في منطقة شرق أفريقيا، عاد ملف “الحق التاريخي” لإثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر ليتصدر المشهد السياسي والعسكري من جديد.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه حكومة رئيس الوزراء “آبي أحمد” تحديات داخلية متفاقمة في إقليم أمهرة، وضغوطا دولية وإقليمية جراء طموحاتها البحرية التي يراها جيرانها تهديدا مباشرا لسيادتهم.
السيادة والبقاء: خطاب المؤسسة العسكرية
في تصعيد لافت للغة الخطاب الرسمي، أكد الجنرال ييمر ميكونين، رئيس الإدارة الرئيسية للتعليم والتدريب في الجيش الإثيوبي، أن تطلعات بلاده للوصول الآمن إلى البحر الأحمر والملاحة البحرية ليست مجرد “رغبة سياسية حديثة”، بل هي “حق تاريخي وطبيعي” مرتبط جوهريا بسيادة الأمة وبقائها ومصالحها الوطنية العليا.
وخلال ندوة وطنية نظمتها الرابطة الوطنية للجيش الإثيوبي لدعم موقف الحكومة، استعرض الجنرال ميكونين الجذور التاريخية لهذا الحق، مشيرا إلى أن علاقة إثيوبيا بالبحر الأحمر تمتد إلى العصور القديمة.
وسلط الضوء على موانئ تاريخية مثل “أدوليس” و”زيلا” باعتبارها كانت بوابات تجارية حيوية ومنافذ سيادية خلال حقبة حضارة أكسوم المزدهرة. وشدد الجنرال على أن احترام هذا الحق من شأنه أن يسرع التنمية الوطنية الإثيوبية ويخلق روابط سوقية أقوى في المنطقة، مما ينعكس إيجابا على الرفاه الإقليمي.
استراتيجية “آبي أحمد”: من الدولة الحبيسة إلى الساحلية
تشير هذه التصريحات بوضوح إلى الاستراتيجية التي وضعتها حكومة آبي أحمد بهدف كسر العزلة الجغرافية لإثيوبيا، التي باتت أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان منذ استقلال إريتريا عام 1993.
وتعمل أديس أبابا في أكثر من مناسبة على التأكيد على ما تسميه “الحق الوجودي” في الوصول إلى المياه الدافئة، مشيرة في تلميحات صريحة إلى رغبتها في استرداد أو امتلاك منفذ في ميناء “عصب” الإريتري.
ولتحقيق هذا الهدف، تسعى الحكومة الإثيوبية للتسويق لادعاءات مفادها أن امتلاك منفذ بحري لا يهدف لإثارة النزاعات، بل لتحقيق المصالح المتبادلة وتعزيز الترابط الإقليمي.
غير أن الواقع الميداني والسياسي يشير إلى عكس ذلك؛ إذ أدت هذه الطموحات إلى توتر حاد في العلاقات مع أسمرة، وباتت تهدد حالة السلم الهشة في منطقة القرن الأفريقي برمتها.
الجبهة الداخلية: حرب دعائية ومواجهات في أمهرة
بينما تنشغل القيادة العسكرية بالترويج للحقوق البحرية، لا تزال الجبهة الداخلية في إقليم أمهرة (شمال البلاد) تشتعل بالمواجهات المسلحة.
فقد ادعت القوات الحكومية مؤخرا استسلام عناصر من ميليشيات “فانو” المسلحة، في إطار ما يصفه مراقبون بـ “الحرب الدعائية” التي تشنها أديس أبابا لرفع الروح المعنوية وإظهار السيطرة.
ومع ذلك، تفند الوقائع على الأرض هذه الادعاءات؛ حيث لا تزال ميليشيات فانو تبدي صمودا عسكريا كبيرا، بل وتشن هجمات مضادة أسفرت عن وقوع أسرى من الجيش الحكومي في قبضتها، وهو ما توثقه الميليشيات عبر نشر صور ومقاطع فيديو بشكل دوري.
وفي تطور دام، تعرضت كنيسة في منطقة جنوب وولو بإقليم أمهرة لهجوم بالأسلحة الثقيلة، مما أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة أكثر من 20 آخرين، في مؤشر على خروج النزاع عن السيطرة واستهدافه للمدنيين ودور العبادة. وترجح المعطيات الراهنة استمرار هذا الصراع الاستنزافي في ظل عدم قدرة أي طرف على حسم المعركة عسكريا بشكل نهائي.
مأزق الجغرافيا وتداعيات استقلال إريتريا
يعود أصل الأزمة إلى عام 1993، حين فقدت إثيوبيا منفذها البحري رسميا عقب استقلال إريتريا. لم يكن هذا التحول جغرافيا فحسب، بل كان له تداعيات استراتيجية واقتصادية عميقة، حيث شكل أحد الجذور الرئيسية للحرب الحدودية الطويلة (1998-2000).
ورغم المصالحة التاريخية التي قادها آبي أحمد عام 2018، إلا أن هشاشة التوازن سرعان ما ظهرت عقب حرب إقليم تيغراي، حيث عادت الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرة لتتصدر المشهد.
وفي خطوة زادت من تعقيد المشهد الإقليمي، وقعت إثيوبيا في يناير 2024 اتفاقية مثيرة للجدل مع إقليم “أرض الصومال” (غير المعترف به دوليا)، تمنح أديس أبابا حق استخدام شريط ساحلي بطول 20 كيلومترا في ميناء بربرة لمدة 50 عاما، مقابل اعتراف إثيوبيا باستقلال الإقليم ومنحه حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية.
هذا الاتفاق فجر غضبا عارما في مقديشو، حيث وصفه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بأنه “انتهاك صارخ” للسيادة الصومالية، مؤكدا أن الصومال لن تتنازل عن شبر واحد من أراضيها. ورغم الوساطة التركية في أنقرة، إلا أن التوترات لا تزال كامنة تحت الرماد.
تصعيد حدودي مع أسمرة
قبل أيام، انتقل التوتر إلى مرحلة جديدة حين اتهمت إثيوبيا إريتريا باحتلال أراض إثيوبية على طول الحدود المشتركة. وفي رسالة وجهها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، وصف الوجود العسكري الإريتري بأنه “عمل عدواني واضح”. وطالبت أديس أبابا بالانسحاب الفوري، معربة في الوقت ذاته عن استعدادها لمفاوضات “حسن نية” لحل القضايا العالقة، وعلى رأسها الوصول إلى ميناء عصب.
واوضح خبراء أسمرة لا تعترض مبدئيا على استخدام إثيوبيا للموانئ وفق الاتفاقيات الدولية، مشيرا إلى أن اتفاقيات عام 1993 منحت إثيوبيا حق الوصول الآمن، لكن أديس أبابا هي من جمدتها عام 1998 وحولت مسار تجارتها إلى جيبوتي.
وأكد أن “المطلب الإثيوبي الحالي يتجاوز الاستخدام إلى الامتلاك والسيادة، وهو ما لا تقبله أي دولة”، محذرا من أن استخدام القوة سيفتح بابا لمطالبات مماثلة من 44 دولة حبيسة حول العالم، مما يهدد بتقويض القانون الدولي.
الدور التركي والبحث عن توازن
وسط هذا التلاطم، برز الدور التركي كلاعب وسيط وموازن. فخلال زيارته الأخيرة لأديس أبابا – وهي الأولى منذ عقد – شدد الرئيس رجب طيب أردوغان على ضرورة منع تحول القرن الأفريقي إلى ساحة لتنافس القوى الأجنبية.
وتأتي هذه الزيارة في ظل تنسيق أمني واقتصادي تركي مع قوى إقليمية مثل مصر والسعودية، يهدف إلى الحفاظ على أمن الملاحة في البحر الأحمر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تعصف بالمصالح الاقتصادية للجميع.
بين “حق المرور” و”حق الملكية”
من الناحية القانونية، يرى خبراء أن طموحات إثيوبيا تصطدم بنصوص صريحة، وأن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (المادة 125) تمنح الدول الحبيسة “حق المرور العابر” عبر ممرات آمنة بموجب اتفاقيات مع دول الجوار، لكنها لا تمنحها بأي حال من الأحوال “حق الملكية أو السيادة” على أراضي أو موانئ الدول الساحلية.
في المقابل، يبرر الجانب الإثيوبي ضغطه بالحاجة الاقتصادية الماسة. وصرح محمد العروسي، عضو البرلمان الإثيوبي، بأن النمو المستدام وتصدير الطاقة من سد النهضة يتطلبان منفذا بحريا سياديا لتخفيف الأعباء المالية التي تتجاوز مليارات الدولارات سنويا كرسوم عبور لموانئ جيبوتي.
خاتمة: جغرافيا الصراع أم تعاون إقليمي؟
يبقى سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري “عصب” الأزمات في القرن الأفريقي. فبين نصوص القانون الدولي التي تحمي السيادة، والحسابات الاقتصادية الإثيوبية الضاغطة، ومخاوف الأمن البحري، يظل الانفجار واردا في أي لحظة.
إن الاستقرار الإقليمي يتوقف الآن على قدرة القوى الفاعلة على تحويل الجغرافيا من شرارة للصراع إلى جسر للتعاون الجماعي الذي يوازن بين حقوق العبور واحترام حدود الدول.










