استراتيجية طهران تصعّد الصراع وتغيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من فوضى إقليمية واقتصادية واسعة
واشنطن – المنشر الإخبارى
كيف قلبت إيران المعادلة العسكرية والسياسية ودفعت المنطقة إلى أفق جديد من الفوضى
بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كضربة عسكرية محدودة تهدف إلى تحييد البرنامج النووي الإيراني وتقليل تهديد الصواريخ الباليستية، لكنها تحولت بسرعة إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع التداعيات الاقتصادية العالمية. الصحف الأمريكية وصفت النتائج بأنها غير متوقعة، محذرة من أن التدمير العسكري لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النظام ولا إلى تحسين مستقبل البلاد، بل قد يقود إلى فوضى واسعة تجعل إيران غير قابلة للحياة.
الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في عموده بصحيفة نيويورك تايمز استرجع ذكريات زيارته لإيران عام 1996، حين لاحظ شعار “الموت لأمريكا” مثبتًا على جدار أحد الفنادق، في إشارة إلى مدى تجذر الخطاب المعادي للولايات المتحدة داخل بنية النظام الإيراني. وأوضح فريدمان أن تطلعات الشباب الإيراني للانفتاح الاقتصادي لم تتغلب على سياسات القيادة، التي تظل أكثر رسوخًا مما كان يُعتقد.
حسابات خاطئة وردود فعل غير متوقعة
مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، أصبح واضحًا أن العمليات لم تسر وفق خطط أي طرف، إذ أخذ نطاقها يتسع ليشمل دولًا عدة، بينما ارتفعت أسعار الطاقة وتزايدت المخاوف من انزلاق الصراع إلى حرب أطول قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة. كل طرف أساء تقدير رد فعل الآخر، مما يزيد من احتمالية استمرار الحرب دون مخرج واضح.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقد في البداية أن الحرب ستكون سريعة وسهلة، بينما راهنت إيران على أن مهاجمة دول الخليج سترفع كلفة الحرب على الجميع وتجبر واشنطن على التفاوض. إلا أن الواقع يشير إلى نتائج مختلفة، فالحرب تتوسع رغم الضربات المكثفة التي استهدفت قيادة النظام الإيراني واغتيال المرشد الأعلى الراحل، مجتبى خامنئي. لم تظهر أي حركة تمرد داخلية قادرة على تحدي النظام الإيراني، فيما استمرت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية في استهداف قواعد أمريكية ومدن خليجية رئيسية.
التداعيات الاقتصادية للحرب
أسهمت الحرب في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، بما في ذلك النفط والغاز المسال، بسبب تعطّل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة العالم. هذا الارتفاع انعكس سريعًا على أسعار البنزين والمواد الغذائية في الولايات المتحدة، وفقًا لما أشار إليه خبراء اقتصاديون مثل مارك زاندي من مؤسسة موديز التحليلية، مؤكدين أن استمرار الحرب قد يدفع الشركات إلى تجميد التوظيف أو تسريح بعض العمال، ويزيد من تكلفة المواد الأساسية عالميًا، بما في ذلك الأسمدة والمنتجات الغذائية.
تضيف الصحف الأمريكية مثل وول ستريت جورنال أن الحرب بدأت تتحول إلى أزمة اقتصادية وسياسية أوسع، تمتد آثارها من الشرق الأوسط إلى الداخل الأمريكي، مما يمثل اختبارًا اقتصاديًا وسياسيًا معقدًا لكل من واشنطن وطهران.
استراتيجيات إيران والمراهنة على استنزاف خصومها
أكد الباحث علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية أن إستراتيجية إيران تقوم على الضغط المستمر لاستنزاف دفاعات خصومها، ومحاولة إجبار واشنطن على التفاوض. ومع ذلك، فقد أشار إلى أن هذا الرهان قد يكون مبالغًا فيه، لأن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرات هجومية كبيرة، ما يعني أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تصعيد أوسع دون تحقيق أهداف واضحة لتغيير النظام الإيراني.
الصحف الأمريكية اعتبرت أن الولايات المتحدة لم تنجح في تغيير الحسابات الاستراتيجية لطهران، وأن أي محاولة لإسقاط النظام بالقوة العسكرية تحمل مخاطرة كبيرة بتحويل البلاد إلى حالة فوضى شاملة بدل الانتقال إلى الديمقراطية.
انقسام الرأي الداخلي الأمريكي وإسرائيل
في الداخل الأمريكي، بدأت آثار الحرب الاقتصادية والسياسية تظهر سريعًا، مع ارتفاع الأسعار وتقلص الإنفاق الاستهلاكي. كما تواجه إدارة ترامب انتقادات واسعة من داخل الكونجرس، رغم نجاحه النسبي في تسيير العمليات العسكرية في الأيام الأولى.
أما إسرائيل، فقد أظهرت قلقها من أن استمرار الحرب قد يطيل أمد الصراع ويخالف مصالحها الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالمشروع الإيراني في المنطقة. وتثير العمليات العسكرية الحالية تساؤلات حول صياغة “مشروع عربي مرتقب” يشمل مصر والسعودية بعد تفكيك المشروع الإيراني.
السيناريوهات المستقبلية
التحليلات الأمريكية تشير إلى أن الحرب قد تتطور إما نحو انهيار النظام الإيراني أو نحو سيناريو مشابه لفنزويلا، حيث يختار بعض المسؤولين التعاون مع واشنطن، لكن كلا الاحتمالين لم يتحققا بعد. كما أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى تصعيد إضافي في المنطقة، ويمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرات الولايات المتحدة وإسرائيل على التحكم في الأوضاع دون إلحاق أضرار اقتصادية وسياسية جسيمة بالدول الأخرى أو الداخل الأمريكي.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت كضربة خاطفة، أصبحت صراعًا مفتوحًا تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع الانعكاسات الاقتصادية والسياسية على المنطقة والعالم. التداعيات السريعة على الأسعار العالمية، الضغط على واشنطن، واستمرار ردود الفعل الإيرانية، كلها عوامل تجعل من الصعب التنبؤ بمآل هذا الصراع، وقد تستمر تبعاته لسنوات، مع خطر التحول إلى فوضى شاملة في الشرق الأوسط وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية.










