بين الصواريخ الإيرانية والمضائق المهددة، تعيش دول الخليج صدمة الغضب والإحباط، وسط تداعيات اقتصادية وجيوسياسية تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، بعد أن رفضت واشنطن الاستماع لتحذيرات حلفائها
السبت 14 مارس 2026 – المنشر الإخباري
ميناء رأس الخيمة.. صمت بعد أيام ازدهار
في ميناء رأس الخيمة الصناعي بالإمارات، يسود صمت غريب يخالف كل الصور المألوفة لميناء بحري نابض بالحياة. الرصيف الذي كان مزدحماً بالحركة التجارية اليومية، أصبح اليوم لوحة صامتة من السفن الراكدة، وعلى امتداد الأفق الضبابي تتراصف مئات ناقلات النفط، متوقفة على طول ممر مائي تغمره المخاطر.
أي سفينة تتجه من رأس الخيمة إلى بحر العرب عليها أن تعبر أخطر ممر بحري في العالم للملاحة النفطية اليوم: مضيق هرمز. وعلى بعد ما يزيد قليلاً عن 20 ميلاً بحرياً، تعرضت ناقلتا نفط لهجوم صاروخي إيراني هذا الأسبوع، ما أدى إلى اندلاع حريق في إحدى الناقلات، في حين أصيبت الأخرى بأضرار كبيرة استلزمت سحبها إلى موانئ آمنة بعيداً عن مسار الهجوم.
ميناء الفجيرة المستهدف.. الطائرات المسيرة تدخل المعركة
يوم السبت الماضي، استُهدف ميناء الفجيرة النفطي، الميناء الرئيسي لدولة الإمارات على الساحل الشرقي، بهجوم بطائرة مسيرة، حيث شوهدت أعمدة دخان أسود كثيف تتصاعد من المحطة، في أحد أبرز المشاهد التي تعكس حجم المخاطر التي تواجه دول الخليج، حيث يتم جرها بشكل أعمق إلى صراع لم تبدأه وحاولت منعه دبلوماسياً.
العلاقة الخليجية-الأميركية على المحك
على مدى عقود، سمحت دول الخليج للولايات المتحدة بإنشاء قواعد عسكرية والبنية التحتية اللازمة لتمركز قواتها، كما كانت من أكبر مشتري الأسلحة والتكنولوجيا الأميركية. في المقابل، قدمت واشنطن نفسها كأقرب حليف وحامي للمصالح الخليجية في المنطقة. لكن التدخل العسكري الأخير كشف فجوة كبيرة بين توقعات الشركاء الخليجيين والدور الفعلي الذي تلعبه واشنطن، ما أثار موجة غضب واسعة على مستويات سياسية وشعبية.
خالد المزيني، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة زايد في أبوظبي، يقول: “لم يصبح التهديد الإيراني المُتصوَّر للخليج حقيقة إلا بعد إعلان الولايات المتحدة الحرب، فإيران لم تبدأ بإطلاق النار. هناك إدانة شديدة للجانب الإيراني، لكن الرسالة للأميركيين واضحة: هذه ليست حربنا، ومع ذلك نتحمل تبعاتها”.
ضغوط دبلوماسية تجاه واشنطن لم تلقِ آذاناً صاغية
في الأسابيع التي سبقت الضربات، استضافت دول الخليج مفاوضات ومبادرات دبلوماسية متكررة، طالبت واشنطن بتأجيل أي عملية عسكرية، محذرة من أن أي تصعيد سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية كارثية في المنطقة. ومع ذلك، اختارت الإدارة الأميركية تنفيذ الضربات دون استشارة الحلفاء، وفق ما تشير مصادر سياسية خليجية مقربة من دوائر القرار.
حملة الانتقام الإيرانية.. الصواريخ والطائرات المسيّرة تغرق الخليج في الخطر
حملة الانتقام الإيرانية كانت أكبر مما توقعه صناع القرار الخليجيون، حيث أطلقت طهران آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ على المطارات، القواعد العسكرية، مصافي النفط، الموانئ، والفنادق والمباني الحكومية. وعلى الرغم من تمكن الدول من اعتراض غالبية الهجمات، فإن تكلفة أنظمة الدفاع الجوي بلغت أكثر من ملياري دولار، في حين بقيت الأسواق الخليجية تعاني اضطرابات خطيرة في حركة النفط والملاحة البحرية.
تداعيات اقتصادية ضخمة على قطاعات حيوية
قطاع الطيران، الذي يعتبر شرياناً اقتصادياً حيوياً للمنطقة، تكبد خسائر بمليارات الدولارات نتيجة القيود المشددة على الرحلات. أما البحرين، فقد دخلت مرحلة أزمة اقتصادية حادة، في حين تأثرت سمعة الإمارات كملاذ استثماري وسياحي بسبب عدم اليقين الأمني وتصاعد المخاطر.
الحصار الإيراني لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، أدى إلى انخفاض حاد في صادرات النفط والغاز، ما يهدد تمويل اقتصادات الخليج ويجعلها عرضة لتذبذبات حادة في السوق العالمية. وتقدر الخسائر اليومية للصادرات النفطية بين 700 مليون و1.2 مليار دولار، بحسب خبراء الطاقة.
تصريحات عمانية تحذر من القانون الدولي
وزير الخارجية العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، الذي لعب دور الوسيط في المحادثات الإيرانية الأميركية السابقة، أبدى قلقه من استمرار العمليات العسكرية، قائلاً: “الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران غير قانونية. استمرارها يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، ويعرض المنطقة لتداعيات خطيرة، خاصة وأن المفاوضات النووية كانت تحقق تقدماً ملموساً”.
وأشار إلى أن القرار الأميركي بضرب إيران في هذا التوقيت، أثناء تقدم المفاوضات، يظهر أن الصراع كان محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط لصالح أهداف استراتيجية إسرائيلية، متجاهلة مصالح دول الخليج التي تحملت العبء الأكبر من تبعات الحرب.
الغضب الشعبي الخليجي.. واقع مأساوي في الموانئ والمدن
سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، تقول: “هذا أسوأ كابوس لدول الخليج. هناك غضب عميق تجاه الولايات المتحدة، لأن هذه ليست حربهم ومع ذلك يتحملون وطأتها. دول الخليج حاولت منذ سنوات إقامة شراكة أمنية مع الولايات المتحدة على غرار إسرائيل، لكنها أدركت الآن أن هذا قد لا يتحقق أبداً”.
تجارب الحياة اليومية في الموانئ والمدن المتأثرة تظهر حجم الضرر المباشر على السكان. سومون، شاب يبلغ 27 عاماً ويعمل في تأجير الزوارق في رأس الخيمة، يروي: “منذ أيام عديدة، مُنعت قواربنا من الإبحار بسبب كل هذه المشاكل والقتال مع إيران في البحر. ليس لدينا زبائن، والمدير لا يستطيع دفع الرواتب. لا أحد يعلم متى سينتهي هذا الوضع”.
هل من بديل للولايات المتحدة؟
على الصعيد الاستراتيجي، تواجه دول الخليج تحديات مزدوجة: تهدئة التوتر مع إيران، وضمان أن تخرج الولايات المتحدة من الصراع بطريقة تحمي مصالح المنطقة. عدم وجود بديل فاعل للولايات المتحدة يجعل هذه المهمة أكثر تعقيداً، مع استمرار الغضب الشعبي والخسائر الاقتصادية المتصاعدة، في حين يبقى المواطن العادي أول المتضررين من قرارات استراتيجية تتخذ على بعد آلاف الأميال عن مكانه.










