تحركات الشارع الإيراني بين وعود الخارج وواقع القمع الداخلى ، قراءة معمّقة في تأثير المواقف الأميركية‑الإسرائيلية على الحراك الشعبي داخل إيران
لندن – المنشر_الاخباري
منذ اندلاع موجة الاحتجاجات في إيران في أواخر عام 2025، اشتدت التساؤلات حول مصداقية الوعود التي تم تداولها، خصوصًا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، حيال ما أُشيع عن دعم “المعارضة” والشارع الإيراني في مواجهة النظام. وفي خضم الحرب المفتوحة في الشرق الأوسط، يبدو أن ما قُدم من تصريحات وتصريحات مضادة قد أدّى في كثير من الأحيان إلى فقدان جزء كبير من الثقة بين الشارع الإيراني والقوى الخارجية التي أبدت تأييدًا لفظيًا في فترات سابقة.
هذا التقرير يستعرض بالتفصيل خلفيات الصراع بين الوعود والتوقعات، آليات مبنى الثقة والأوهام السياسية، الفروقات في استراتيجيات واشنطن وتل أبيب، وواقع المعارضة الإيرانية على الأرض في مواجهة نظام عصي على الانهيار عبر وعود إعلامية أو إشارات سياسية.
خلفية الأحداث: من وعود الدعم إلى واقع معقّد
شهدت السنوات الأخيرة في إيران تفجّر احتجاجات واسعة، ترافقت مع أزمات اقتصادية حادة، تفاقم انفصال الطبقات الاجتماعية عن المؤسسات السياسية، وتوسع في دائرة الغضب الشبابي في المدن الكبيرة مثل طهران وأصفهان ومشهد. كانت هذه الاحتجاجات، التي انطلقت بعبارات مثل “الموت للديكتاتور… الموت للمرشد”، رمزًا لانهيار العلاقات بين السلطة والمجتمع المدني، وذروة استياء تراكم لسنوات.
وعندما بادر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى التحذير من الانتهاكات التي تمارسها السلطات الإيرانية بحق المتظاهرين، بدا أن هناك انفراجة محتملة في الدعم الدولي للشارع الإيراني. وللمرة الأولى، بدا أن الولايات المتحدة تلقي بثقلها وراء خطاب المعارضة، ما عزز لدى البعض في الداخل الإيراني توقعًا بدعم ما على الأرض ضد النظام القائم.
لكن هذه التصريحات لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة، بل سرعان ما تحوّل النقاش حولها إلى مادة خصبة للجدل والتشكيك في مصداقيتها. إذ شهدت العلاقات بين المتظاهرين والنظام رد فعل قمعيًا عنيفًا من قوات الأمن، في حين لم تقدّم القوى الخارجية دعمًا ملموسًا يضعف قبض النظام على مفاصل الدولة.
وعود غير متسقة وفقدان الثقة
خطاب ترامب… بين الوعود والإجراءات
حين دعا ترامب النظام الإيراني إلى التوقف عن قمع المتظاهرين، بدا أن الإدارة الأمريكية تضع نفسها في موقع دعم حقيقي للشارع الإيراني. لكن ما لبث أن ظهر أن هذه التصريحات كانت ضمن رسالة سياسية أكبر تتعلق بالمواقف الأمريكية في مواجهة إيران على الساحة الإقليمية — وليس دعمًا مباشرًا للمعارضة الداخلية.
وبينما كان الشارع الإيراني يأمل في تحرك جدي أو خطوات ملموسة، اتجهت أنظار الإدارة الأمريكية إلى مفاوضات مع طهران في أطر أوسع تشمل برامج الصواريخ الباليستية، الملف النووي، وتأثيرات الحرب في المنطقة. هذا التحول في التركيز ألقى بظلاله على مصداقية الوعود الأمريكية لدى المعارضة في الداخل الإيراني، وأدى إلى اعتبارها “فضفاضة” أو غير صادقة.
الفجوة بين الخطاب والممارسة
يرى الخبراء أن ثمة فجوة حقيقية بين تصريحات المواقف الرسمية حول دعم المعارضة وخطوات تنفيذية حقيقية على الأرض. ففي حين دعا ترامب في مناسبات عدة إلى دعم المحتجين وحرية التعبير، لم تتحرك الإدارة الأمريكية في اتجاه توفير ممرات دبلوماسية آمنة، أو إنشاء تحالفات سياسية واضحة تلقي بثقلها في الداخل الإيراني لاحتضان مطالب الشارع.
هذا يعكس عدم انسجام بين الخطاب السياسي الأمريكي وجدول أعماله: ففي ذروة الاحتجاجات بدا أن هناك دعمًا رمزيًا، لكنه لم يتجسد في خطوات عملية توفّر حماية للأفراد أو دعمًا مباشرًا للحراك الشعبي.
إسرائيل واستراتيجية دعم المعارضة: تداخل الأجندات
رؤية إسرائيل تجاه الشارع الإيراني
من جانبها، اتخذت إسرائيل موقفًا مختلفًا في التعامل مع المعارضة الإيرانية. ففي حين تبدو واشنطن مهتمة بالمصالح الأمريكية المباشرة في الشرق الأوسط، ترتبط الاستراتيجية الإسرائيلية بشكل أوثق بالمخاوف الأمنية التي تعتبر إيران تهديدًا وجوديًا.
ويرى البعض أن الدولة العبرية تسعى إلى تنشيط الجماعات المعارضة داخل إيران، لا كهدف مستقل بقدر ما يخدم أهدافًا أوسع في الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة وتأمين حدودها الشمالية. ويضم ذلك دعمًا غير مباشر لفصائل معينة داخل الجغرافيا الإيرانية، خاصة في صفوف الأقليات مثل الكرد والأذريين.
كمنظور إقليمي وسياسي
بحسب الدكتور فرهاد دزه يي، الباحث في مركز ستاندرد، فإن إسرائيل تتعامل مع المعارضة الإيرانية ضمن منظومة مصالحها الأمنية، بينما الولايات المتحدة تنظر إلى الوضع من زاوية اقتصادية وسياسية أوسع. وهذا يوضح اختلاف الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، وهو ما ينعكس على طبيعة الدعم الموعود الذي تلقته المعارضة الإيرانية.
المعارضة الإيرانية: ما بين التوقعات والواقع
أطراف المعارضة ومحدودية تأثيرها
يكشف الواقع الميداني أن المعارضة الإيرانية ليست كتلة واحدة موحّدة، بل تتنوع بين مجموعات شبابية، قوّات مسلحة محلية صغيرة، وأحزاب كردية وأذربيجانية وأحوازيّة. هذه التعددية تُضعف قدرتها على التنظيم والتنسيق، وتجعلها عُرضة لتراجع الحماس الجماهيري في غياب دعم خارجي واضح ومتماسك.
وقد أشار دزه يي إلى أن “المعارضة الإيرانية لو اجتمعت كلها لم تصل إلى عدد سكان مدينة صغيرة”، مضيفاً أن وجود مكوّنات متباينة بدون بنية قيادية موحدة يجعل من الصعب تحويل أي وعود خارجية إلى واقع.
العلاقات مع الأحزاب الكردية
يُظهر الحوار بين جغرافيا الصراع والمؤثرات الخارجية أن الولايات المتحدة حاولت سابقًا التواصل مع قيادات كردية مثل مسعود بارزاني، لكن هذه المحاولات لم تؤتِ ثمارها، إذ رفضت أطراف كردية في العراق وسوريا وتركيا التعاون مع واشنطن، وهو ما يدل على عمق فجوة الثقة بين المعارضة وبعض القوى الخارجية.
الثقة في الدعم الخارجي: هل تزول؟
عامل الخيبة في الشارع
يكاد يُجمع محللون على أن وعود الدعم الخارجي، خصوصًا من جانب واشنطن، لم تلقَ استجابة واسعة لدى الشارع الإيراني بسبب عدم ترجمته إلى إجراءات ملموسة في لحظات الحسم. وقد تسبب هذا في شعور بخيبة الأمل، إذ بدا أن القوى الخارجية لم تكن حريصة على حماية المتظاهرين في مواجهة قمع النظام.
وترى بعض التحليلات أن هذا الفشل في تحقيق الدعم الفعلي أدى إلى تقليل مصداقية أي تصريحات مستقبلية، ما يضعط المعارضة داخليًا ويضعف من حضورها.
العلاقات المتواصلة رغم التباين
في المقابل، يؤكد الخبير حسين الديك أن المعارضة ما زالت تتمتع بعلاقات فعّالة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن ما يحدث ليس “فقداناً كاملاً للثقة” بل جزء من مسار طويل. فهو يرى أن إسقاط نظام ليس قائماً على مؤسسات إرهابية أو مجرد سلطة مركزية، بل هو نظام مؤسساتي معقد سيأخذ سنوات عديدة حتى يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل.
ويضيف الديك أن الحرب الراهنة ليست سوى جزء من مراحلها الأولى، وأن التحركات الدبلوماسية والضغوط العسكرية تصب في مصلحة إضعاف النظام تدريجيًا، وهو ما من الممكن أن يمهد الطريق أمام المعارضة في المدى الطويل.
السيناريوهات المتوقعة لمستقبل العلاقة بين المعارضة والنخب الخارجية
سيناريو الاندماج التدريجي
في هذا السيناريو، تستمر القوى الخارجية في الضغط عبر ضغوط اقتصادية وعسكرية على النظام، ما يضعف الجهاز الأمني الداخلي ويخلق هوّة بين السلطة والمواطنين، الأمر الذي قد يدفع المعارضة إلى تكثيف جهودها وتنظيم صفوفها بشكل أكثر ثباتًا.
سيناريو التراجع والانعزال
قد يتراجع الشارع الإيراني عن مطالبته العنيفة للنظام، في حال لم يشعر بأي دعم خارجي ملموس، مما يعيد إنتاج السياسات التقليدية داخل إيران، وتبقى المعارضة في هامش الوعي السياسي دون تحقيق اختراقات نوعية.
سيناريو الانشقاقات الداخلية
من الممكن أن تؤدي الضغوط المتزايدة وضربات القوى الخارجية إلى خلق انشقاقات داخل مؤسسات النظام الإيرانية نفسها، خاصة بين الحرس الثوري والقوى الأمنية، ما قد يمثل نقطة تحوّل كبيرة في مسار المواجهة الداخلية.
الثقة ليست صفقة… بل عملية مطوّلة
يظل السؤال المركزي: هل خسرت المعارضة الإيرانية ثقتها في الدعم الأمريكي والإسرائيلي؟ الإجابة ليست بنعم أو لا حاسمتين، إذ تتداخل العوامل الإستراتيجية مع التاريخ السياسي الداخلي الإيراني، وتتشابك مع مصالح القوى الخارجية.
في حين يرى البعض أن الوعود كانت فضفاضة وخالية من الإجراءات العملية، يعتبر آخرون أن العمليات الجارية تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لإضعاف النظام تدريجيًا، وليس حلًا سريعاً.
وبينما يراقب الشارع الإيراني اليوم تحولات المشهد، تتواصل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بلا توقف، مما يجعل ثقة المعارضة في الدعم الخارجي رهناً بمدى قدرتها على استثمار أي فرصة تاريخية في ساحة الصراع الطويلة والمعقدة.










