طهران – المنشر الاخباري | 17 مارس 2026 أثار الإعلان عن اغتيال علي لاريجاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عاصفة من التساؤلات الجيوسياسية حول مستقبل النظام الإيراني الذي يمر بمرحلة انتقالية حرجة تحت قيادة المرشد الثالث مجتبى خامنئي.
هذا الحادث لا يمثل مجرد خسارة لشخصية سياسية بارزة، بل يعد نقطة تحول استراتيجية ستجبر القيادة الجديدة على كشف أوراقها وتحديد ملامح أجندتها للمرحلة المقبلة.
اختبار التعيين: صراع المعسكرات
مع رحيل لاريجاني، يجد مجتبى خامنئي نفسه أمام أول اختبار حقيقي لسلطته، فتعيين سكرتير جديد للمجلس الأعلى للأمن القومي،ورغم أن القواعد الفنية تمنح رئيس الجمهورية مسعود بيزشكيان حق ترشيح السكرتير، إلا أن القرار النهائي والفعلي يظل بيد المرشد الأعلى.
هذا التعيين المرتقب سيكون المؤشر الأهم على توجهات مجتبى؛ فهل سيميل نحو التهدئة أم التصعيد؟ وتبرز هنا أسماء قوية من الجناح المتشدد، مثل علي باقري كاني، وزير الخارجية بالوكالة السابق ونائب لاريجاني، الذي يمتلك خبرة عميقة في الملفات الشائكة.
كما يظل سعيد جليلي، المعروف بمواقفه الأيديولوجية المتصلبة، حاضراً بقوة كممثل للمرشد في المجلس، مما يعزز التكهنات بعودة التيار الراديكالي للسيطرة الكاملة، خاصة وأن رحيل لاريجاني قد أضعف معسكر “الواقعية السياسية” الذي كان يتشارك فيه الرؤى مع بيزشكيان.
لاريجاني ومجتبى: “تصفية” خصم تاريخي؟
من المفارقات القدرية في مشهد الاغتيال، أن رحيل لاريجاني قد خلّص مجتبى خامنئي من واحد من أقوى المعارضين لترشحه لمنصب القيادة العليا.
فقبل وفاته، كانت علامات الاستفهام تحيط بمستقبل لاريجاني السياسي بسبب ضغوطه المعلنة خلف الكواليس ضد توريث السلطة لمجتبى.
ورغم أن التكهنات الدولية، لاسيما من الغرب، قد تذهب نحو اعتبار لاريجاني “شخصية معتدلة” تمت تصفيتها لصالح متشدد، إلا أن الواقع داخل أروقة الحكم في طهران أكثر تعقيداً. فلاريجاني، برغم تباينه مع مجتبى، يظل شخصية مرتبطة بجهاز القمع والعمليات العسكرية الخارجية، لكن خلافه كان يتمحور حول “شرعية القيادة” وتوزيع مراكز القوى داخل مؤسسة الحكم.
محمد باقر قاليباف: الرابح الأكبر
في وسط هذه الفوضى السياسية والأمنية، يبدو أن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، هو المستفيد الأول والرابح الحقيقي من هذا الفراغ، قاليباف يتمتع بمزايا استراتيجية تجعله اللاعب الأكثر أهمية في المرحلة القادمة:
القبول الدولي النسبي، على عكس لاريجاني، لم تُفرض على قاليباف عقوبات أمريكية مباشرة، مما يمنحه هامشاً للمناورة الدبلوماسية إذا تطلبت الظروف.
الولاء للمرشد الجديد حيث سعى قاليباف جاهداً وبكل ثقله السياسي لضمان تولي مجتبى خامنئي منصب القيادة العليا، مما يجعله الحليف الموثوق والأقرب للمرشد الثالث.
الخلفية العسكرية حيث بصفته نائباً سابقاً للقائد العام للقوات المسلحة، يمتلك قاليباف علاقات وطيدة مع قيادات الحرس الثوري (IRGC)، وهو ما يحتاجه مجتبى لتثبيت أركان حكمه في ظل التهديدات الخارجية والداخلية.
مستقبل غامض وسيناريوهات مفتوحة
إن اغتيال لاريجاني في هذا التوقيت يفتح الباب أمام موجة من “التطهير السياسي” داخل بنية النظام الإيراني، حيث قد يستغل مجتبى خامنئي وحليفه قاليباف هذا الحدث لإعادة هيكلة المجلس الأعلى للأمن القومي بما يضمن الولاء المطلق للقيادة الجديدة.
وبينما تنشغل الدوائر الاستخباراتية العالمية بتحليل دور إسرائيل والولايات المتحدة في هذه العملية، تنصب الأنظار في طهران على “الرجل القوي” القادم الذي سيخلف لاريجاني، ليكون إيذاناً ببدء عصر جديد قد يتسم بمزيد من الانغلاق الداخلي والتشدد الاستراتيجي، تحت غطاء من الشرعية التي يوفرها تحالف “المرشد والبرلمان”.










