في خطوة استراتيجية تُعزز التعاون المغاربي، أعلن المغرب وموريتانيا اليوم عن إطلاق دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية لمشروع الربط الكهربائي بين البلدين.
يأتي هذا الإعلان خلال قمة ثنائية عقدت في الرباط، بحضور وزير الطاقة المغربي عبد الله بو ناصر، ونظيره الموريتاني سيد أحمد باه، وذلك في إطار تعزيز الأمن الطاقوي المشترك وتنويع مصادر الطاقة في منطقة الساحل والصحراء.
يُعد هذا المشروع امتدادًا طبيعيًا لمبادرات الربط الكهربائي الإقليمي التي يقودها المغرب، مثل خط الربط مع إسبانيا الذي بدأ تشغيله جزئيًا في 2025، ومشروع “المغرب الأخضر” الذي يهدف إلى تصدير 52% من الطاقة المتجددة بحلول 2030.
وفقًا للبيان الرسمي الصادر عن الوزارتين، ستبدأ الدراسات فورًا وتستمر لمدة 18 شهرًا، بتمويل مشترك يقدر بـ15 مليون دولار، مع مشاركة البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية كشركاء فنيين.
التفاصيل الفنية للمشروع
سيمتد خط الربط الكهربائي على مسافة تقدر بـ 200 كيلومتر، يربط محطة كهرباء “عين بني مطhar” قرب العيون بالمغرب، بمحطة “نواذيبو” في موريتانيا، عبر خط عالي الجهد (400 كيلوفولت).
الهدف الرئيسي هو نقل 700 ميغاواط في المرحلة الأولى، مع إمكانية الوصول إلى 2000 ميغاواط بحلول 2035. يعتمد المشروع على تقنيات متقدمة مثل المحولات HVDC (التيار المستمر عالي الجهد)، التي تقلل الخسائر بنسبة 3% فقط مقارنة بـ7% في الخطوط التقليدية AC.من الناحية الاقتصادية، يتوقع الخبراء أن يوفر المشروع لموريتانيا ما يصل إلى 30% من احتياجاتها الكهربائية الحالية (التي تبلغ 600 ميغاواط)، حيث تعاني البلاد من انقطاعات متكررة تصل إلى 40% من الوقت.
أما المغرب، فسيعزز من قدرته على تصدير الفائض من طاقة الشمس والرياح، خاصة مع مشاريع مثل مجمع “نور” في ورزازات الذي ينتج 580 ميغاواط حاليًا.
دراسة أولية أجرتها شركة “ONE” المغربية تشير إلى عائد استثماري بنسبة 12% سنويًا، مع تكلفة إجمالية للمشروع تصل إلى 500 مليون دولار.الأبعاد الاستراتيجية والبيئية
يأتي الإعلان في وقت تتسارع فيه المنافسة على الموارد الطاقوية في غرب أفريقيا.
موريتانيا، التي تعتمد حاليًا على الوقود المستورد بنسبة 80%، ستستفيد من الطاقة الخضراء المغربية لدعم صناعاتها الناشئة مثل التعدين (حديد وذهب). كما يدعم المشروع أهداف اتفاقية باريس للمناخ، حيث يقلل انبعاثات الكربون بنحو 1.2 مليون طن سنويًا، مقارنة بالاعتماد على الديزل.
سياسيًا، يعكس المشروع تقاربًا مغربيًا-موريتانيًا متزايدًا، بعد توقيع مذكرة تفاهم في 2024 حول التعاون الطاقوي. ويُنظر إليه كجسر نحو شبكة إقليمية أوسع تشمل السنغال ومالي، ضمن مبادرة “غرب أفريقيا الكهربائية” التي تهدف إلى ربط 15 دولة بتكلفة 20 مليار دولار
.التحديات المتوقعة
رغم التفاؤل، يواجه المشروع عقبات. أبرزها التحديات اللوجستية في المناطق الصحراوية، مثل العواصف الرملية والحرارة الشديدة التي تؤثر على كفاءة الألواح الشمسية. كما تثير مخاوف بيئية من تأثير الخط على التنوع البيولوجي في محمية “بانك د’أرغان” المغربية.
اقتصاديًا، يحتاج موريتانيا إلى إصلاحات في شبكتها الكهربائية لاستيعاب الطاقة الجديدة، مع تقديرات بتكلفة إضافية 100 مليون دولار.آفاق المستقبل
مع إكمال الدراسات، يُتوقع توقيع العقود التنفيذية في 2027، وبدء الأعمال في 2028، ليكون جاهزًا بحلول كأس العالم 2030 الذي يستضيفه المغرب.
هذا المشروع ليس مجرد خط كهرباء، بل رمز للتكامل الإقليمي الذي يمكن أن يحول غرب أفريقيا إلى مركز طاقة متجددة عالمي.









