في تقرير تحليلي مطول، حاولت مجلة الشؤون الخارجية الإجابة عن سؤال معقد يثير اهتمام دوائر السياسة الدولية: لماذا لا يتعجل الكرملين في إنقاذ إيران، رغم كونها أحد أقرب شركائه في الشرق الأوسط؟ يأتي هذا التساؤل في ظل تصاعد التوترات العسكرية بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما تبعها من ردود فعل دولية بدت فيها موسكو أقرب إلى المراقب منها إلى الحليف الفاعل.
معاهدة استراتيجية بلا التزام عسكري
يشير التقرير إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بيزيكيان وقعا العام الماضي اتفاقية “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، وهي معاهدة هدفت نظريا إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مواجهة التدخلات الخارجية. وقد اعتبرت هذه الاتفاقية في حينها تتويجا لمسار طويل من التقارب السياسي والعسكري بين موسكو وطهران.
لكن هذه المعاهدة، رغم أهميتها الرمزية، لا تتضمن بندا للدفاع المشترك، وهو ما يفسر إلى حد كبير حدود الدعم الروسي لإيران في أوقات الأزمات.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة في 28 فبراير 2026، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما واسعا على إيران، بدا الموقف الروسي محدودا. اكتفى بوتين بإدانة اغتيال المرشد الإيراني، واصفا إياه بأنه “انتهاك نفاقي”، فيما دعت الخارجية الروسية إلى التهدئة دون أي خطوات عملية.
اللافت أن التصريحات لم تتضمن أي إشارة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما لم تطرح احتمال تدخل عسكري، ما يعكس حرص موسكو على تجنب التصعيد المباشر مع واشنطن.
دعم خفي لا يغير المعادلة
رغم تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال تقديم روسيا دعما استخباراتيا محدودا، مثل بيانات الاستهداف أو تحسين تكتيكات الطائرات المسيرة، فإن هذا الدعم – إن وجد – لم يكن كافيا لإحداث تغيير حاسم في مسار الحرب.
ويعكس ذلك نهجا روسيا قائما على تقديم الحد الأدنى من المساعدة دون الانخراط المباشر.
يضع التقرير هذا السلوك ضمن نمط أوسع في السياسة الروسية. ففي عام 2023، لم تتدخل موسكو في النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، ما سمح للأخيرة بالسيطرة على كاراباخ. كما فشلت لاحقا في حماية نظام بشار الأسد.
ويشير التقرير أيضا إلى حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دون رد روسي فعال، ما يعكس محدودية قدرة موسكو على حماية شركائها.
وتخلص المجلة إلى أن هذه الوقائع تكشف عن حقيقة أساسية: النفوذ الروسي، رغم حضوره الإعلامي والسياسي، يبقى محدودا على الأرض، خاصة في ظل استنزاف الموارد العسكرية بسبب الحرب في أوكرانيا.
مكاسب غير مباشرة من الحرب
رغم هذا الضعف النسبي، تستفيد روسيا من تداعيات الحرب. فارتفاع أسعار النفط يعزز إيراداتها بشكل كبير، ويساعدها على مواجهة العقوبات الغربية.
كما أن انشغال الولايات المتحدة بالصراع في الشرق الأوسط يقلل من دعمها لأوكرانيا، وهو ما يصب في مصلحة موسكو استراتيجيا.
وفي ظل القلق الصيني من استقرار إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، قد تتجه بكين إلى زيادة اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، ما يعزز موقع موسكو كمورد رئيسي للطاقة في آسيا.
ويوضح التقرير أن العلاقات بين البلدين لم تكن دائما ودية، إذ كانا خصمين تاريخيا. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت المصالح المشتركة في الظهور، خاصة في مجال التسليح.
زودت روسيا إيران بمعدات عسكرية مهمة مثل ميغ-29 وسو-24 وغواصات كيلو وأنظمة S-200، ما ساهم في بناء القدرات العسكرية الإيرانية.
تعاون عسكري محدود ومشروط
لاحقا، أضافت موسكو أنظمة Tor-M1 وS-300، لكنها امتنعت عن تزويد إيران بأحدث أنظمتها، حفاظا على توازن علاقاتها مع أطراف أخرى في المنطقة.
وقد أثار هذا النهج استياء إيران، خاصة عندما علقت روسيا تسليم S-300 عام 2010 تحت ضغط غربي.
ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تعزز التعاون بين البلدين، حيث أصبحت إيران موردا للطائرات المسيرة لروسيا.
في المقابل، حصلت طهران على معدات عسكرية روسية، ووقعت اتفاقات لشراء مقاتلات متطورة، رغم غموض تنفيذها.
وبرز التعاون في مجال الفضاء كأحد أهم أوجه الشراكة، حيث ساعدت روسيا إيران في تطوير برامج الأقمار الصناعية والصواريخ، ما يعزز قدراتها الاستراتيجية.
قيود الواقع العسكري
رغم هذا التعاون، تواجه روسيا قيودا واضحة. فهي بحاجة إلى معداتها المتطورة في أوكرانيا، كما أن نقل هذه الأنظمة إلى إيران يتطلب وقتا طويلا للتدريب والتشغيل.
وتحرص موسكو أيضا على الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج، التي تمثل شركاء اقتصاديين مهمين، ما يمنعها من الانحياز الكامل لإيران.
وفي النهاية، ترى مجلة الشؤون الخارجية أن الاستراتيجية الروسية تقوم على البراغماتية: إذا لم تستطع موسكو حماية حلفائها، فإنها تسعى إلى الاستفادة من الأزمات.
وبينما تكشف الحرب عن حدود القوة الروسية، فإنها تظهر أيضا قدرة موسكو على التكيف واستغلال الفرص، سواء عبر الطاقة أو إعادة توجيه التوازنات الدولية.
وهكذا، لا يعكس الموقف الروسي تخليا كاملا عن إيران، بل إعادة تعريف للتحالف وفق حسابات المصالح والقدرات، في عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد والتنافس.










