لاهاي -المنشر الاخباري| 18 مارس 2026| في تحول سياسي واستراتيجي بارز يعكس تنامي القلق الأوروبي من الحركات العابرة للحدود، شهد البرلمان الهولندي (مجلس النواب) حدثا تاريخيا بتبنيه مقترحا يدعو الحكومة إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها منظمة تشكل تهديدا لقيم الدولة والمجتمع. هذا القرار، الذي جاء بعد سنوات من المحاولات الفاشلة، يضع هولندا في مقدمة الدول الأوروبية التي تتخذ إجراءات تشريعية صارمة ضد التنظيم الدولي للإخوان.
تفاصيل التصويت: أغلبية ضئيلة وتحالفات جديدة
نجح المقترح، الذي قدمه النائبان مايكل بون وجيرت فيلدرز من “حزب الحرية” (PVV)، في عبور عتبة البرلمان بأغلبية ضئيلة بلغت 76 صوتا، ولم يكن هذا النجاح ليتحقق لولا التغير الجذري في مواقف بعض الأحزاب التي كانت ترفض سابقا مثل هذه الخطوات، وعلى رأسها حزب الاتحاد المسيحي (ChristenUnie) وحزب الخمسين بلس (50PLUS).
وقد اصطفت خلف المقترح كتلة برلمانية وازنة تضم أحزابا يمينية ومحافظة مثل حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية (VVD)، والحزب السياسي الإصلاحي (SGP)، وحزب (JA21)، بالإضافة إلى حركة المزارعين والمواطنين (BBB)، هذا التحالف يعكس حالة من الإجماع المتزايد داخل اليمين الهولندي على ضرورة التصدي لما يصفونه بـ “الإسلام السياسي”.
خلفيات القرار: رياح فرنسية تهب على لاهاي
استند نص المقترح بشكل أساسي إلى تقارير استخباراتية وتحركات سياسية من الجارة فرنسا.
وأشار النواب في مسودة القرار إلى التقرير الحكومي الفرنسي الصادر مؤخرا، والذي حذر من استراتيجية “التغلغل طويل الأمد” التي تتبعها الجماعة. ووفقا للتقرير، فإن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية هو تقويض العقد الاجتماعي في المجتمعات الأوروبية لإقامة نظام مواز يقوم على الشريعة الإسلامية.
كما استشهد البرلمانيون الهولنديون بالقرار الذي اتخذه البرلمان الفرنسي في 22 يناير الماضي، والذي دعا صراحة إلى حظر الجماعة. ويبدو أن التحرك الفرنسي في مايو 2025، والذي سلطت عليه الضوء صحيفة “لوموند”، قد وفر الذخيرة السياسية اللازمة لليمين الهولندي لإقناع المترددين بأن الخطر ليس محليا فحسب، بل هو خطر يهدد القارة الأوروبية بأكملها.
الأيديولوجيا تحت المجهر: اتهامات بالتغلغل الناعم
خلال المداولات الساخنة التي سبقت التصويت، ركز نواب حزب الحرية على ما وصفوه بـ “الأجندة الخفية” للجماعة. واتهموا التنظيم بالسعي لفرض رؤيته عبر مسارات غير صدامية في البداية، تشمل المؤسسات التعليمية والمدارس عبر المناهج والأنشطة الطلابية.
وكذلك المساجد والجمعيات الخيرية والتي تهدف لبناء قواعد شعبية تدين بالولاء للفكر الإخواني، وانخراط في الأحزاب القائمة أو ممارسة الضغط (Lobbying) لتوجيه السياسات العامة.
وقال جيرت فيلدرز في تعليقه على القرار: “لقد انتهى وقت السذاجة. نحن لا نحظر دينا، بل نحظر منظمة سياسية تسعى لتقويض ديمقراطيتنا من الداخل.”
جدل قانوني وسياسي: بين الأمن والحريات
بالرغم من تمرير المقترح، إلا أن الطريق نحو التنفيذ الفعلي لا يزال محفوفا بالتحديات القانونية. ويرى مراقبون أن تصنيف جماعة ما كـ “إرهابية” أو “محظورة” يتطلب أدلة مادية ملموسة على التورط في أعمال عنف، وهو ما قد يصعب إثباته ضد كيانات تعمل تحت ستار العمل الاجتماعي والقانوني.
وأعاد هذا الجدل للأذهان محاولات سابقة فاشلة، مثل مقترح العام الماضي لتصنيف حركة “Antifa” كمنظمة إرهابية، والذي رفض حينها بسبب عدم وجود هيكل تنظيمي رسمي لها في هولندا. لكن المدافعين عن قرار حظر الإخوان يشيرون إلى أن “الدولية للإخوان” تمتلك هيكلا معروفا وموثقا، وهو ما يسهل عملية الملاحقة القانونية.
الأبعاد الدولية والضغط الأوروبي
لا يتوقف أثر هذا القرار عند حدود هولندا؛ فقد أشارت صحيفة “جيروزاليم بوست” إلى أن مجموعة “المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين” في البرلمان الأوروبي تدفع باتجاه تبني موقف موحد للاتحاد الأوروبي لإدراج الجماعة ضمن قوائم الإرهاب.
وفي حال استجابة الحكومة الهولندية لهذا المقترح البرلماني، فإنها ستبدأ مسارا لتجميد أصول المنظمات المرتبطة بالجماعة، ومنع قادتها من ممارسة أي نشاط عام، وهو ما قد يؤدي إلى “تأثير الدومينو” في دول أوروبية أخرى تشهد صعودا لليمين المحافظ.
هل تبدأ مرحلة التفكيك؟
يعد هذا التصويت انتصارا سياسيا كبيرا لجيرت فيلدرز ورفاقه، لكنه يضع الحكومة الهولندية أمام اختبار صعب لموازنة التزاماتها الأمنية مع قوانين حرية التعبير والتجمع. وفي انتظار رد الفعل الحكومي الرسمي، يبقى السؤال: هل سيؤدي هذا الحظر إلى تحجيم نفوذ الجماعة، أم أنه سيدفعها للعمل بشكل أكثر سرية تحت مسميات جديدة؟
الأكيد أن “النموذج الفرنسي” في التعامل مع الإسلام السياسي بدأ يجد صدى واسعا في شمال أوروبا، مما ينذر بمرحلة جديدة من التضييق على حركات الإسلام السياسي في القارة العجوز.










