في مشهد أعاد للأذهان شرارة الاحتجاجات الكبرى التي هزت أركان السياسة التركية، احتشد مئات الآلاف من أنصار عمدة إسطنبول السابق المسجون، أكرم إمام أوغلو، مساء الأربعاء في قلب المدينة التاريخية.
وجاء هذا التجمع الجماهيري الحاشد في ساحة “ساراتشانه” لإحياء الذكرى السنوية الأولى لبدء الإجراءات القمعية التي انتهت باعتقال الرجل الذي كان ينظر إليه كأقوى منافس محتمل للرئيس رجب طيب أردوغان.
نظم حزب الشعب الجمهوري (CHP) هذه المسيرة التي وصفها المراقبون بـ “التاريخية”، حيث تدفق المواطنون من مختلف أحياء إسطنبول والولايات المجاورة، رافعين الأعلام التركية وصور إمام أوغلو، وسط انتشار أمني مكثف وطوق من قوات الشرطة التي حاولت تحجيم رقعة الاحتجاج دون جدوى. وردد المتظاهرون شعارات مدوية هزت جنبات مبنى البلدية، من بينها “الرئيس إمام أوغلو” و”استقل يا طيب”، في إشارة واضحة إلى رفضهم للسياسات الحالية ومطالبتهم بالعدالة.
أوزيل: “الشجاعة تسكن ساراتشانه”
وعلى المنصة الرئيسية، ألقى زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، خطابا حماسيا بدأه بقراءة قصيدة للشاعر عدنان يوجيل، مؤكدا أن روح المقاومة لم تنكسر برغم مرور عام كامل على الاعتقال.
وقال أوزيل مخاطبا الجماهير: “لقد مرت 365 صباحا و365 مساء، ظنوا خلالها أنهم أنجزوا المهمة باعتقال أكرم واحد، وظنوا أنهم أرعبونا. لكنهم اليوم ينظرون إلى هذه الساحة ليروا أن مئات الآلاف من أمثال أكرم يملؤون المكان بدلا منه”.
وأضاف أوزيل بنبرة حادة: “نحن اليوم في ساراتشانه، بيت الأمة، ولسنا في ملجأ الخائفين بل في ساحة الشجعان. لقد حاولوا قص أغصاننا ألف مرة، لكننا اليوم هنا مزهرون ونثمر من جديد، فالكفاح لن ينتهي حتى تصبح الأرض وجها للحب والعدل”.
زلزال قانوني وتقويض لثقة الدولة
واستعرض أوزيل في خطابه كواليس المؤامرة التي حيكت ضد إمام أوغلو، مشيرا إلى أن السلطات سحبت شهادته الجامعية التي مضى عليها 31 عاما، رغم مقاومة الكلية والعميد اللذين أكدا صحتها. وأوضح أن الضغوط السياسية أجبرت العميد على الاستقالة، وتم انتزاع قرار إلغاء الشهادة من مجلس إدارة جامعة إسطنبول، وهو جهة غير مختصة أكاديميا بمعادلة الشهادات.
واعتبر زعيم المعارضة أن هذا الإجراء كان بمثابة “زرع ديناميت تحت العقد الاجتماعي والدستور”، مؤكدا أنه منذ ذلك اليوم “فقدت أي وثيقة صادرة عن الدولة قيمتها، سواء كانت سند ملكية أو عقد زواج، لأن من تجرأ على إلغاء تاريخ أكرم إمام أوغلو الأكاديمي بجرة قلم سياسي، قد قوض ثقة المواطن في مؤسساته”.
التسلسل الزمني للـ “الانقلاب الإداري”
تعود وقائع هذه الأزمة إلى مارس من العام الماضي، حيث تم إلغاء الشهادة الجامعية لإمام أوغلو في 18 مارس 2025 كذريعة قانونية لإسقاط أهليته السياسية، ليتم اعتقاله فجر اليوم التالي، 19 مارس، بتهم فضفاضة تتعلق بـ “الإرهاب والفساد”. ولم يمض سوى أربعة أيام حتى عزل رسميا من منصبه كعمدة لإسطنبول في 23 مارس 2025، في خطوة وصفتها المعارضة بـ “الانقلاب الإداري” على إرادة الناخبين.
ولم يكتف أوزيل بالهجوم السياسي، بل قدم للصحافة وثائق ملموسة ترد على ادعاءات المسؤولين الحكوميين، من بينها وثيقة تتعلق بخطة سداد “ميسا إيفليري”، مفندا رواية “غورليك” بالدليل القاطع، ومعلنا أن “المسيرة المئوية” القادمة للحزب ستقام في جناق قلعة تأكيدا على استمرار النضال الوطني.
تأتي هذه الاحتجاجات لترسم ملامح مرحلة جديدة من المواجهة في تركيا، حيث تحولت ذكرى اعتقال إمام أوغلو من مجرد مناسبة حزينة إلى منصة لإعادة توحيد المعارضة السودانية، وتوجيه رسالة مباشرة للقصر الرئاسي في أنقرة بأن “أكرم” المسجون خلف القضبان، بات يملك جيشا من الأنصار في الشوارع لا يمكن إسكاتهم بقرارات إدارية أو أحكام قضائية مسيسة.










