إغلاق المضيق حوّل عشرات الآلاف من أطقم السفن إلى رهائن حرب مفتوحة، وسط هجمات متقطعة، وتشويش إلكتروني، ومخاوف متزايدة من المرور في أحد أخطر الممرات البحرية في العالم
دبي | 19 مارس 2026 | المنشر الإخبارى
في مشهد يلخص كلفة الحرب بعيداً عن غرف العمليات والسياسة، وجد عشرات الآلاف من البحارة أنفسهم عالقين على متن سفن تجارية وناقلات نفط على جانبي مضيق هرمز، بعدما تحول الممر البحري الأهم في العالم إلى ساحة مفتوحة للصواريخ والمسيّرات والتشويش الإلكتروني. ولم يعد الخطر مقتصراً على تعطل حركة التجارة والطاقة، بل امتد إلى أطقم بحرية باتت تعيش يومياً تحت ضغط الخوف والترقب في منطقة تبدو أقرب إلى فخ بحري مغلق.
وكشفت تقارير دولية أن ما يقرب من 40 ألف بحار يواجهون أوضاعاً شديدة التعقيد منذ تفاقم المواجهة العسكرية في المنطقة، مع بقاء عدد كبير من السفن في حالة انتظار قسري داخل الخليج أو عند مداخله، في ظل صعوبة العبور وارتفاع احتمال التعرض لهجمات مباشرة أو لأعطال ملاحية نتيجة التشويش المتعمد على أنظمة تحديد المواقع.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن جزءاً كبيراً من هؤلاء البحارة عالق فعلياً في الخليج، حيث باتت السفن تتحرك بحذر بالغ أو تتوقف تماماً تجنباً للمخاطر. ومع تصاعد العمليات العسكرية، أصبح الإبحار في هرمز لا يعتمد فقط على مهارة القبطان أو قوة السفينة، بل على الحظ أيضاً، في منطقة تختلط فيها الإشارات الإلكترونية الكاذبة بأصوات الانفجارات وتهديدات الاستهداف المفاجئ.
وتظهر شهادات من داخل السفن حجم الضغط النفسي الذي يعيشه البحارة. فبعض الأطقم تحاول قتل الوقت بمشاهدة الأفلام أو ممارسة أنشطة بسيطة على السطح، فيما تدور في السماء طائرات مقاتلة وتتعالى في الأفق أصوات الانفجارات. هذه الحياة المعلقة بين الانتظار والنجاة حولت العمل البحري إلى تجربة قاسية، خاصة بالنسبة لسفن تحمل شحنات نفطية هائلة أو مواد قابلة للاشتعال، ما يجعل أي إصابة مباشرة كارثة محتملة تتجاوز حدود السفينة نفسها.
الخطر لا يأتي فقط من الصواريخ والمسيّرات، بل أيضاً من الحرب الإلكترونية التي ألقت بظلال ثقيلة على الملاحة. فقد أبلغت بعض الأطقم عن تعرض أنظمة تحديد المواقع العالمية للتشويش، ما أجبر السفن على الاعتماد على الرادار ووسائل تقليدية أكثر صعوبة، وسط زحام بحري وغياب رؤية واضحة لتحركات السفن الأخرى. وفي ممر مائي ضيق وحساس كمضيق هرمز، فإن أي ارتباك في تحديد المسار قد يقود إلى تصادم أو إلى دخول مناطق شديدة الخطورة.
وتزيد جغرافيا المضيق من مستوى التهديد. فالممر عند أضيق نقطة لا يمنح السفن مساحة كافية للمناورة، كما أن التضاريس المحيطة به تقلل من فرص الإنذار المبكر ضد أي هجوم ينطلق من اليابسة أو من مواقع قريبة. وهذا ما يجعل الكثير من السفن في حالة انكشاف شبه كامل، خصوصاً عند محاولتها عبور القناة وسط ظروف قتالية متغيرة وسريعة.
وفي محاولة لتفادي الخطر، لجأت بعض السفن إلى مسارات بديلة قريبة من السواحل الإيرانية أو عبر ممرات عادة ما ينصح بتجنبها في الظروف الطبيعية. لكن هذه الخيارات لا توفر ضمانة حقيقية، بل تكشف عن حجم الارتباك الذي أصاب الملاحة التجارية في المنطقة. كما أن عدداً من السفن عمد إلى إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال أثناء العبور، في خطوة تعكس مستوى القلق، لكنها في الوقت نفسه ترفع من احتمالات الحوادث الملاحية وسوء التقدير.
الحرب هنا لم تعد مجرد صراع بين دول وجيوش، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ للعمالة البحرية الدولية التي وجدت نفسها في الصف الأمامي من الخطر من دون حماية كافية. كثير من البحارة، بحسب ما نُقل عنهم، أبدوا استياءهم من المقابل المالي الذي يحصلون عليه نظير هذه المجازفة، معتبرين أن ما يتقاضونه لا يوازي حجم التهديدات التي يتعرضون لها يومياً في هذا الممر الملتهب.
ومع تعثر الجهود الدولية لإعادة تأمين الملاحة، يبقى البحارة في هرمز عالقين بين قرار سياسي لا يملكون التأثير فيه، وتصعيد عسكري قد يحول أي رحلة بحرية إلى مقامرة مميتة. وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى النفط والأسواق والطاقة، تبدو قصة هؤلاء البحارة واحدة من أكثر زوايا الأزمة قسوة، لأنهم ببساطة يدفعون بأجسادهم وأعصابهم ثمن حرب لا يتحكمون في بدايتها ولا في نهايتها.










